أي ثقافة نريد؟

عائشة مصبح العاجل

  • الخميس 17, مايو 2018 في 1:33 م
تلك التي تنشب في أراضي عقولنا، فتهتز وتربو فينا بالفِكَر، وتتوالى اهتزازاتها مولدة فينا، ما لا يعد ولا يحصى من الإضاءات المولدة للنور والحياة.
تلك التي لا تهدأ، ولا تصدأ، ولا تهرأ، ولا تبلى، متقدة بروح سرمدية، متصلة ومتواصلة بحبل سري معقود عند شجرة في سماء سابعة، تتدلى منها حيوات، وتنبلج لأخرى لا فيها زيف ولا نزف، ولا تشوبها كراهية ولا بغضة. 
 
تلك الصالحة لكل الأزمان، والمتصالحة مع كل الأجناس والأطياف، تلك التي تعانق الأفق والروح في لحظةِ تجلٍ لانعتاق فكرة، واعتناق مبدأ في الحياة، وتتطلع لما بعد الموجود، والكائن، وأبعد مما بعد الحداثة والتمدن. 
 
الثقافة التي تمطر عطاءاتها باستمرار من أجل الذائقة ومن أجل بناءات الروح الساكنة في الإنسان، فكرة التعاطي بمنهجية التواصل الروحي المورقة كأفنان الياسمين، والمتفرعة كعروق الدم وخريطة الوطن، فكرة الالتحام، والالتقاء، والتمازج المفضي لسوية التشكل الجميل كقوس مطر.
 
الثقافة التي نريد، تلك التي تعيدنا لإنسانيتنا، وقد تفشى حولنا الظلم والقهر والتشتت، وبيننا أيتام وجياع وعطشى ونازحون من الموت نحو طريق يشبهه، وفي ذمتنا مسجد أغلقت أبوابه ودُكّت مناراته، وآخر دُمر الطريق الواصل إليه.
 
 وفي أعناقنا ليوم الدين صرخة طفل فقد ذويه، وتاه في الطرقات يبحث عن وجهه، يبحث عن عنوان، تفترسه أعين الطمع والجهل والكراهية، لترمي به على قارعة طريق مهجور.
 
الثقافة التي نريد، تهذيب وتشذيب لمنابت الحق فينا، تسليك لطرق يُحتمل العبور عليها، وتمكين لفكرة واستدامة لأخرى، توجيه نحو الصواب، وتحييد عن مسالك الكفر والشيطان، تعميق لمبدأ، وتخليد لمعنى.
 
تلك التي نزعم أننا نريد، تعيدنا لفطرتنا السليمة، فلا نتناحر على قصعة، ولا ندس سماً في عسل، ونخلط ماءً بلبن، ولا نداري حقاً ونكتمه، فيظهر الباطل ويشيع.
 
نريد أنسنة الثقافة، عودتها إلينا، ومنا تعود لتخرج نبتاً أصيلاً، يشبه تطلعاتنا، ويمتد معنا لأفق نحن من شَكّلْنا استداراته، ونفخنا فيه من روحنا ألوانه، وأعدنا تسميته ليتلاءم معنا أولاً، ثم مع الآخر. 
 
ثقافة نحو وفاق فكري، وامتزاج، وارتباط، من أجل الاستفادة من الآخر، ومن أجل التقارب، ونحو ثقافة الائتلاف والتقارب نحو الإنسان.