غسل الأموال في ضوء الإجرام المنظم

العميد الدكتور خالد حمد الحمادي

  • الثلاثاء 21, يوليو 2020 09:16 ص
  • غسل الأموال في ضوء الإجرام المنظم
تساؤلات كثيرة حول جريمة غسل الأموال ما المقصود بها ؟ ولماذا أطلقت عليها هذه التسمية ؟ وهل تصدى لها المشرع الإماراتي بالتجريم ؟ وما هي الطرق والأساليب التي ينتهجها الجناة في ارتكابها ؟ وهل هذه الطرق والأساليب تقع تحت دائرة الحصر ؟

سنتناول الإجابة على تلك التساؤلات من خلال ما يلي :

المقصود بغسل الأموال :

كان أول ظهور لمصطلح " غسل الأموال " في الولايات المتحدة الأميركية وتحديداً بمدينة شيكاغو ، عندما قام رجال الأعمال التابعون لعصابات المافيا بشراء مؤسسات غسيل الملابس،والتي تقوم بنشاطاتها من خلال الفئات المالية الصغيرة، وفي آخر اليوم كان كل منهم يضيف إلى أرباح المؤسسة جزءاً من أرباح تجارة المخدرات، ليتم بذلك تنظيفها دون أن يرتاب أحد في أمر المبالغ الكبيرة، التي كان يجمعها وكأنها أتية من مصدر مشروع، ويمكنه بعد ذلك إيداعها في المؤسسات المصرفية، ومن هنا أطلقت على هذه الجريمة جريمة غسل الأموال.

وعلى هذا الأساس يمكن أن نعرف جريمة غسل الأموال بأنها " عمليات مالية وقانونية تقوم بها عصابات الجريمة المنظمة، وذلك لإضفاء المشروعية على المال غير المشروع أيّاً كان مصدره " ، لذا أخذت الدول في التصدي إلى هذه الجريمة المستحدثة.

وتعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة من الدول التي تصدت لهذه الجريمة ذات الانعكاسات الخطيرة على كافة النواحي الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والأمنية من خلال القانون رقم (4) لعام 2002م والمعدل بالقانون رقم (9) لعام 2014 حيث نصت المادة (2) منه على أنه يعد مرتكب هذه الجريمة كلا من أتى عمداً أحد الأفعال الأتية :
1. حول أو نقل أو أودع أو حفظ أو استثمر أو استبدال المتحصلات، أو قام بإداراتها بقصد إخفاء مصدرها غير المشروع.
2. إخفاء حقيقة تلك المتحصلات أو مصدرها أو مكانها أو طريقة التصرف فيها، أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها أو ملكيتها.
3. اكتسب أو حاز أو استخدام تلك المتحصلات.

وقرر المشرع الإماراتي عقوبة لهذه الجريمة وفقاً للمادة (13) من هذا القانون " يعاقب كل من ارتكب أحد الأفعال المنصوص عليها أعلاه بالحبس مدة لا تزيد على 10 سنوات وبالغرامة التي لا تقل عن (100,000) درهم ولا تتجاوز (500,000) درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين.

الطرق والأساليب الحديثة لغسل الأموال:

خلال العقد الماضي لم يكن بالإمكان تحقيق غسل مأمون وفعال للأرباح النقدية الضخمة المتولدة عن الجريمة المنظمة، ولكن التطورات السريعة المتلاحقة في دنيا تجارة المال، هيأت للمجرمين استخدام التقنيات الحديثة لمعالجة الحجم الهائل من الأوراق النقدية، التي يمكن أن تتحصل من بيع شحنة من العقاقير المخدرة، وأدى ذلك إلى نشوء تنظيمات إجرامية احترفت غسل الأموال ، وللإحاطة بهذه الجريمة سوف نعرض فيما يلي لأبرز طرق وأساليب غسل الأموال والتي تستخدمها تلك المنظمات الإجرامية وذلك على النحو التالي:

1. الشراء نقداً : تعتمد المنظمات الإجرامية في عملها لغسل أموالها المتحصلة بطرق غير مشروعة إلى شراء صكوك مالية، أو سيارات فخمة فارهة أو معادن ثمينة أو تحف أو لوحات فنية بسعر أقل من قيمتها عبر دفع المبلغ المكمل بطريقة غير معلنه (من يد إلى يد)، ثم إعادة بيع ما اشتروه بقيمته الحقيقية، مما يسمح بتبرير الحصول على موارد مالية ضخمة بسبل غير شرعية بفضل فائض القيمة.

2. الاستثمار في القطاع السياحي :  يقوم غاسلوا الأموال غير المشروعة باتخاذ القطاع السياحي كواجهة لتغطية حقيقة أعمالهم فيشترون المطاعم والنوادي الليلية والمشروعات السياحية " كالمجتمعات " ثم يقومون بإدارتها بطريقة تكفل لهم ظهور الأموال المغسولة على أنها أرباح محققة من تلك الاستثمارات السياحية.

3. اللجوء إلى وكالات السفر : ينتهج غاسلوا الأموال أسلوباً ذكياً في تبرير المال الموجود بحوزتهم، بحيث يكون مرتجعاً من شراء تذاكر سفر، ثم يقومون ببيعها أو ردها في البلد نفسه، أو خارجه بعد خسارة جزء بسيط من ثمنه، وبذلك تسترد الأموال بشيكات مشروعة المصدر (من شركات الطيران).

4. استخدام بطاقات الإئتمان والشيكات القابلة للتظهير: باعتبار أن بطاقة الائتمان هي البطاقة التي تتيح دفع المال دون الحاجة إلى حيازته نقداً، وتتمثل هذه الطريقة بإيداع أموال كبيرة في حساب البطاقة بحيث يظل الحساب دائناً، ويتمكن المبيض من سحب الأموال النقدية أينما وجد في العالم، كما أن استخدام تقنيات الشيكات القابلة للتظهير تتيح الإكثار في العمليات المتسلسلة، مما يسمح بإخفاء مصدر المال.

5. إنشاء الشركات الوهمية (أو المفلسة): أحياناً قد تلجأ عصابات الجريمة المنظمة إلى إنشاء، أو شراء أو إدارة شركات شرعية قد تكون مفلسة، أو قد تكون ناجحة، وليس بالدرجة المطلوبة وتقوم هذه المنظمات بتشغيلها، وإدارتها وتوحى من وراء ذلك بصورة طبيعية بعمليات نقدية عالية، فيخلطون أموالهم القذرة بأموال الشركات الشرعية، وهذه الشركات التي تقوم بمثل هذا العمل تسمى شركات " الدمى " التي تحصل على عمولات كبيرة عن طريق قيامها بدور الوسيط بين أصحاب رؤوس الأموال غير المشروعة.

6. الغسيل بواسطة المصارف واستخدام النظام المالي غير المصرفي : نجد أن حالات غسل الأموال عبر المصارف تتعدد الحالات التي تلجأ إليها عصابات الجريمة المنظمة، مثل إيداع المال نقداً أو الاكتتاب نقداً بأذونات أو سحب القروض، وأوامر التحويل الجارية باسم شركات وهمية، حيث تحول الأموال المراد غسلها إلى حساب شركات وهمية في مراكز مالية ذات رقابة ضعيفة، ثم تحصل هذه العصابات على قروض مصرفية في بلدان أخرى، وذلك بأن يقدموا كضمانة ودائعهم من الأموال غير المشروعة (بفضل رهن شهادات الإيداع) ،وهذه القروض القانونية لا ترد ، أي لا يجري الوفاء بها فيستعمل المقرضون الضمانة وتحصل هذه العصابات على القروض القانونية والمشروعة.

7. استخدام المهن غير المالية : اتجهت أعداد متزايدة من دول العالم لإصدار قوانين تحارب غسل الأموال ،بسبب ذلك لجأت المنظمات الإجرامية لوسطاء خارج القطاع المالي لمساعدتها في عمليات الغسل، وقد وجد أن أهم الوسطاء الذين تشير التقارير لانغماسهم في عمليات الغسل مهنيون كالمحاسبين، والمحامين ومسجلي العقود وتجار من أصحاب معارض السيارات، واليخوت وأصحاب المكاتب العقارية، والقائمون على سباقات الخيل واليانصيب وصالات المقامرة.

8. الغسل عبر الإنترنت : وتتم هذه التقنية باستعمال غاسلي الأموال المعلومات الجمة المتوفرة في الإنترنت ، وذلك للوصول إلى تفاصيل دقيقة عن الأنظمة والسبل المتاحة لتنفيذ مأربهم الملتوية وطنياً وعالمياً ، كما قد يصل الأمر أحياناً إلى وجود إعلانات بشبكة الإنترنت لجذب هذه الأموال ولكن بصورة غير مباشرة، أي يصعب على الشخص العادي فهم ذلك ، وفي المقابل يسهل على المعنيين بهذه الإعلانات (غاسلي الأموال) فهمها.

9. الغسل عن طريق المهربين : من الطرق المستحدثة دخول أحد المهربين إلى بلد ما ،ويعلن أن في حوزته مليون دولار أميركي مثلاً ، وأمام السلطات الجمركية يفتح المهرب حقيبته التي تحتوي على مائة ألف دولار أوراقاً نقدية صغيرة على أمل أن لا يقوم الموظف بعدها فإذا عدها الموظف وظهر نقصاً في المبلغ المذكور يظهر المهرب شيكاً بمبلغ تسعمائة ألف دولار ، وإذا لم يكتشف النقص دخل المهرب إلى البلد وقام بتحصيل مستحقاته من الأموال المتأتية من نشاطه الإجرامي زاعماً أنه يحمل مبلغ المليون دولار ، والذي دخل به أنه لم يستطيع إنجاز الصفقة التي أحضر المبلغ لإنجازها.

10. الأفواج السياحية : مؤخراً تم اكتشاف أسلوب جديد لغاسلي الأموال، وذلك من خلال الأفواج السياحية، حيث تقوم عصابات الجريمة المنظمة بتجنيد فوج سياحي بالكامل (مجموعة من السياح يصل عددهم إلى 100 سائح) ويعطي كل فرد بهذا الفوج مبلغ مالي، على سبيل المثال، ومن ثم يشتري كل فرد بهذه الأموال بضائع متنوعة مثلاً ثم يقوم بتصديرها إلى موطنه الأصلي ، وبذلك تم استبدال الأموال غير المشروعة بأموال عينية مشروعة.

هذا بالإضافة إلى العديد من التقنيات والأساليب التي يلجأ إليها غاسلوا الأموال والتي لا يمكن حصرها في عدد معين إضافة إلى تطورها بتطور المجتمع والتكنولوجيا الحديثة لأن الحاجة إلى غسل الأموال تنبع من رغبة المجرمين في إخفاء الجريمة، التي أثمرت هذه الأموال غير المشروعة والمراد غسلها.