لا أريد أن أرى...

لؤي سعيد علاي النقبي

  • الأحد 28, يونيو 2020 07:29 ص
  • لا أريد أن أرى...
يجلس في سكون يقلب محطات الراديو ويزفر حانقاً من وقت لآخر ،وينتقل من محطة لأخرى لعل شيئاً يعيد إليه سكونه، فيقطع صوت دقات على الباب جوه، ويأذن بالدخول ويأتيه صوت الطبيب مبتسما صباح الخير يا عزيزي فيرد ببرود أهلا يادكتور.
وبعد فحص روتيني صباحي، يجلس الطبيب على مقربة من مريضه مربتاً على يده ومشجعاًله قائلاً: " الحمدلله أظن أننا الآن مستعدون لإجراء العملية الجراحية، التي تجعل النور يزور عيناك، وتبصر فكل شيء جاهز ويبقى بعض الإجراءات البسيطه فحسب.

لكني لا أريد أن أرى.. كان رده صادماً للطبيب، الذي ظل لوهلة غير مستوعب ما سمعه، لكن سرعان ما تدارك الموقف، وظن بأنه مجرد اكتئاب يمر به كل مريض طال انتظاره للشفاء، فاتجه للنافذة مزيحاً للستائر وفاتحاً النوافذ ،تاركاً الهوا ء يتدفق للغرفة أملاً بوجود الحل.

فقال كم هو جميل هذا الصباح بإشراقة الشمس، ودفئها، فرد عليه المريض متبرماً وما نفع الدفء وأرواح الآلاف تحصد بكل برود، فانتاب الطبيب اضطراب، لكنه استمر قائلاً:  "وما أجمل تلك الحمامات تتقافز هنا وهناك، فأجاب لقد هْجِرت الحمائم من أعشاشها لتأوي إلى المخيمات وتنتظر الإحسان من الإعانات والمساعدات.

فعاجله الطبيب مغيراً مجرى الحديث إنها عمليات إنشاء القسم الجديد تعلو بمبانٍ جميلة، وماذا عن آلاف المباني التي سحقتها الحروب ودمرها أسياد الشعوب طمعاً في السٰلطة ودماء الأبرياء تهدر بلا قيمة.

فيعلو وجه الطبيب الشحوب ويكفهر ويسأله أتظن أن ذلك يمنعك من أن ترى؟ فرد المريض ليس ذلك فحسب، أفلا تبصر كم من مكائد تحاك؟  وكم من ضحايا النفاق؟ 

يجير الجار على الجار وينسى حقوق الجوار، وباسم الدين جرت أنهار الدماء، وتناثر عبق الشهداء، وانتشر الوباء ليكمل حصاد الأرواح ويثير هلع النفوس ويوقف مسرى الحياة.

وانظر للخيانات، والمشاحنات، والصراعات، ودائرة المصالح التي تبدأ ولا تنتهي، فكذب وخداع،  وزور وإخفاق، كيف أُبصر في وسط كل هذا الظلم والظلام؟

دعني فحواسي الأخرى عجزت عن تجرع مر ما بنا يمر لا أريد أن أرى ما هو مر...

فتنهد الطبيب زافراً مرارة كلمات مريضه وأبصر المذياع بجانبه ففطن أن اكتئابه نابع من استماعاته، فاستله بخفة، لكن بصيرة الكفيف كانت حاضرة، فأمسك بمذياعه، وتشبث به، وظل الصراع قائماً عليه، ولمن الغلبة في النهاية؟ وهل سيبقى مُصراً بأن لا يرى؟