القائد العصري " مهام وصفات "

د. عبدالله بن ساحوه السويدي

  • الإثنين 18, نوفمبر 2019 01:06 م
  • القائد العصري " مهام وصفات "
نعيش في عالم متسارع لا يعترف بالضعفاء، وحتى تتقدم عليك مواجهة الصعوبات التي تعترض طريق نجاحك، بكل اجتهاد ومثابرة وعلى الإنسان أن يُنمّي مهاراته، ويتحلّى بصّفات تجعله قائداً ناجحاً، ليمضي بطريقه نحو القمّة، وفي هذا المقال نسرد بعض المهام والصفات لتحقيق ذلك منها:
استراتيجيتك: 

كقائد عليك بالاستراتيجية، أي وضع خطة لنفسك طويلة المدى ونهج كما أشرنا وتصور كيف ترى الإدارة خلال حقبة قادمة 10 سنوات مثلاً، وما تريد الوصول إليه في ظل سياسة الدولة وضوابطها وأهدافها ورؤيتها واستراتيجيتها.

ثم ضع خطوات تحقيق تلك الخطة وسبل الوصول لتحقيق تلك الأهداف، وحدد من هم أعوانك المساهمين في التنفيذ، بعد أن تحلل مصادر قوتك، ونقاط ضعفك ومهدداتك وفرصك المتاحة، إذ لا يمكن أن تعمل هكذا بدون ضوابط واتزان، فلابد أن يكون عملك منظماً، وأهم المحاذير هنا هي ألا تغفل اختيار قائد للاستراتيجية فهي العمود الفقري لمؤسستك.

واحرص أن يجمع هذا بين المعرفة في مجاله وبين قدرته على التعامل مع موظفيه، وتوظيفهم على النحو الصحيح، وابتعد عن ذوي الحديث فقط دون إنتاج، أو مالك المعرفة لكنه شحيح في إخراجها للآخرين والزملاء، وذلك الذي يغلب الجوانب الشخصية على العمل.

هذا يأتي بعد أن تقوم بكل ما يلزم من تهيئة الموظفين بكافة مستوياتهم للعمل الاستراتيجي، وغرس الثقافة فيهم ثم تجهيز وتهيئة مستلزمات وضع الاستراتيجية من نشر استراتيجية الإدارة الأم "وزارتك" وشرح ما تحتويه من روية ورسالة وقيم وأهداف.

وقم بمشاركة كافة المعنيين في إدارتك من قادة وموظفين، ولا مانع من إشراك بعض الشركاء في "تحليل بستل" الذي يتكون من تحليل 6 عوامل ترتبط بعملك، قد تحمل متغيرات ستؤثر بشكل أو بآخر، أو تتأثر بعملك، ويتطلب أن تأخذها في الاعتبار، وأنت تضع خطتك الاستراتيجية، وهي عوامل سياسية وعوامل قانونية وعوامل اقتصادية، وعوامل بيئية وعوامل اجتماعية وعوامل تقنية.

ثم اتبعها بتحليل "سوات" الذي يتناول عناصر قوتك ونقاط ضعفك والمهددات والفرص، لتكتمل لديك الرؤية والمعارف اللازمة، لكي تضع أهداف ترمي من خلالها لتحقيق ما ترنو الوصول بإدارتك إليه خلال فترة من الزمن مرتبطة بخطة الوزارة.

واشرحها وعممها، وضع لها مؤشرات لقياس مدى تحقق الأهداف، وراجعها بشكل دوري ثم ضع خطة تفصيلية "تشغيلية" أي لتضع الأهداف موضع التنفيذ فأنت تحتاج للقيام بأنشطة معينة تتبلور هذه الأنشطة في المبادرات والمشاريع التي يجب القيام بها حتى نصل لتحقيق الأهداف بما يتطلبه ذلك من استمارات، ونماذج وتحديد ميزانية التنفيذ واختيار وتشكيل فرق عمل للتنفيذ.

خطة الاتصال: 

ولأهمية التلاقي والتواصل والحوار، وأثره الإيجابي في تحسين ورفع معدلات الأداء، عمدت وزارة الداخلية حينها لمنهجية أسمتها الاتصال والتواصل، رسخت فيها منهجية الوزارة وطريقتها في الالتقاء سواء الداخلي بين القيادات، أو بين القيادات والموظفين، أو بين الموظفين والمتعاملين، وحددت وسائل وطرق التواصل سواء الاجتماعات، أو الزيارات أو البريد الإلكتروني، أو الاستبيانات، أو قنوات البث المباشر.

وعليه يجب الإجابة على بعض الأسئلة حتى تكتمل المنهجية مثل هل لخصنا وشرحنا كل ذلك وعممناه وألزمنا كافة المستويات بالتقيد بمضمون المنهجية؟
وهل حرصنا أن تكون لنا خطة للاتصال والتواصل باستخدام الوسائل المشار إليها للالتقاء بموظفينا وجمهورنا؟
وهل أدرجت بالخطة كافة المواضيع التي تتطلب حوار ومراجعة كالأهداف والمؤشرات وتقارير التقييم الذاتي، وتقارير المتسوق السري، وتقارير مقيمي الجودة الداخليين والخارجيين؟

التوثيق: 

يشكل التوثيق أهمية كبيرة، فاحرص على نشر ثقافة التوثيق، وتأكد بأن الجميع يوثق، وأن التوثيق يتم بطريقة صحيحة حسب المرجعيات، ولائحة الأضابير لسهولة الرجوع، وانشر ثقافة التوثيق الإلكتروني بإنشاء الملفات الإلكترونية، والمراجعة الإلكترونية تطبيقاً لفكرة إدارة بلا أوراق، وتأكد من أن الجميع يتبع نفس النهج في التوثيق.

فمن أهم ما كشفت عنه ممارسات التميز من مسابقات "التوثيق والإثبات" فدليل التقيد، أو القيام بعمل معين يتطلب إثباته، وعملية التوثيق تتطلب نشر ثقافة لدى الموظفين، وتتطلب معرفة بمجالات، وخانات التوثيق والاطلاع على دليل الأضابير وأرقامها، وعلى كيفية الحفظ والاسترجاع الإلكتروني، وعلى طرق الحفظ الآمن، وعلى توظيف الوثائق في المجالات التي تتطلب ذلك.

فعلى القائد العصري أن يولي عملية التوثيق والأرشفة أهمية قصوى، وأن يحل معضلة التراكم الورقي الهائل في ظل اعتماد النسخ الإلكتروني للوثائق بوجود إمكانية الاسترجاع وضمان وجود حلول "سيرفر" للبيانات والوثائق “الباك أب".

ولا شك أن القائد المبدع يتحلى بصفات عديدة نذكر منها

أن يكون محاضراً: 

بمعنى أن تحاضر موظفيك وجمهورك في مجال عملك، أو مجال يرتبط به، ويعكس من أنت وماهي قدراتك فمن الضروري أن تختار أموراً هامة، وتقدم بها محاضرات لتضمن وصولها للمعنيين.

فعلى سبيل المثال حاولت وكتبت في كل المجالات المرتبطة بمجال عملي تقريباً منها الاتجار بالبشر، ودور الإقامة وشؤون الأجانب في الحد منها، وآلية التعرف على ضحايا الاتجار بالبشر، وفي الحدود وتأمينها، ورحلة المتعامل في برنامج السبع نجوم، حيث استدركت خطورة تأخر تغيير سلوك الموظفين للعمل بمبادئ ومعايير برنامج السبع نجوم للخدمات الحكومية المتميزة.

وفي هذا الشأن بادرت على الفور بعمل محاضرة وشرحها للمعنيين عوضاً عن العديد من المحاضرات في مجال العمل، ومنها هذه الورقة وتجاوزت عدد كتاباتي حوالي الـ 20 ورقة متفرقة ما بين كتب وأبحاث وأوراق عمل ومحاضرات.

كما أن الكتابة تشجع زملائك قيادات الصف الثاني والثالث وحتى الموظفين، لينهجوا نفس النهج، وتمكنك من طرح العديد من الأفكار التطويرية، لأنك من خلال الكتابة، ومن خلال الشرح ستستمع لملاحظات ومقترحات قد تطور من مستوى ومحتوى كتاباتك وأفكارك.

المتابعة والاستمرارية والإلحاح: 

سمعت وأنا في زيارة لليابان وبرفقة أخي ورفيق دربي والعزيز كثيراً على قلبي اللواء بالشرطة المتقاعد الأستاذ الدكتور محمد الأمين البشرى بأنه يسود فكر في إطار علم الإدارة، وأن من صفات القائد الالحاح والمتابعة ونحن لدينا مثل يقول ما يموت حق وراءه مطالب " فعلاً كنْ لحوحاً في مجال عملك، لا تهمل طلباً لإدارتك أو موظفيك مادياً، أو شخصياً فالناس مشاغل والوقت محدود فاحرص بإلحاحك ومتابعتك أن تكون في الصورة.

 الالتزام بتحقيق نتيجة في مجال عملك

إن الالتزام يحسب بتحقيق نتيجة وليس الالتزام ببذل عناية، فكل ما تكلف به ملزم بأن تنجزه، كي يكتمل وتستمر في متابعته حتى النهاية، ولا يُعذر مسؤول عن متابعة ما كلّف به في المؤسسات النظامية، وإلا تتبعه المحاسبة وبشكل متدرج حتى تصل لاستخدام أشد وسائل المحاسبة، وقد يكون الفصل أحدها، فأين تريد أن تكون؟

وقد يدعي البعض استخدام اللين وإعطاء الفرصة، فذلك محدود بمرة او مرتين لأنه أمر مهم أن تمنح الفرصة، وأن تعذر، ولكن ليس إلى درجة أن يصبح الإهمال والتقصير عادة.

و أن يأمن الموظف المحاسبة فلا يبالي، اتعلم أن السائق متى يضيء الضوء العالي لسيارته خلال قيادته لها في الطريق العام "واقعة شخصية لي في فرنسا عام 2000 م خلال فترة تواجدي بها لجمع المراجع العلمية لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة القاهرة، حيث استوقفني رجل شرطة فرنسي من "الجندرمة" في مدينة باريس وقال لي بأنني مخالف بوضع الضوء العالي في غير وقته، وحرر لي مخالفة، وقال لو احتجت للأدلة لقمت بإرشادك، ولكن خالفتك لأن مسألة استخدام النور وأنت تقود سيارة ولديك رخصة قيادة فهذا من المفترض أنك تعلمته وأنت تتعلم أصول القيادة.

ابتعد عن الاعتماد بشكل كامل على غيرك

ومن الصفات كن صادقاً وواضحاً وأميناً، إذ لاحظت خلال مساري الوظيفي، أن البعض غير راغب في التطور، ولا العطاء، ويتقوقع خلف بعض الوسائل والحجج الوهمية التي يصطنعها لنفسه، إما بصديق في مستوى أعلى يحميه ويبرر أخطاءه وتقصيره وتصرفاته من باب الزمالة، لدرجة أن يحاول أن يفتك بمسؤوله الأعلى، وإن كان على غير وجه حق. وكذلك باستخدام وسيلة النشر، كما أحب أن أطلق عليها، هو لا يعمل ولكن يستخدم عبارة أنا مهمش "حق يراد به باطل" في ظل التميز والمهام والوصف الوظيفي، ومتطلبات التقارير الواردة من المتسوق السري والتقييمات الذاتية، ومقيمي الجودة، أتصور أن الأمور كلها يمكن تتيسر وتصبح واضحة ويتبين المخطئ والمعطاء وذلك المقصر بقليل من التركيز والتمعن.

ضع حداً للمقصر والمتلاعب

لا تترك مجالاً لمن يدعي بما يسمى بالتهميش، اطلب من المدعي أن يحدد كتابة ما يقصده بالتحديد لعلاجه، وأمِّنْ كل ما يمكن أن يزيل سبب ذلك، إن وجد ووثق، وأمنحه فرصة وأخرى، ووثق، فإن لم يتغير الحال اُطلب نقله فوراً فأمثال هؤلاء ينشرون الطاقة السلبية بين زملائهم من موظفي الإدارة لديك.

راقب أداء أمثال هؤلاء وعطائهم اليومي وأخضعهم للتقييم وفق معايير ومتطلبات الجودة، والاستراتيجية والتميز من خلال فريق مقيمين وبحضورك، ووثق التقييم بمختلف الوسائل.

كن حازماً 

إن استخدام الذكاء العاطفي باللطف واللين من أهم مواصفات القائد الناجح، ولكن أن يغلف ذلك بالحزم، فلا لين ولا شدة إلى مالا نهاية، فلا تكن يابساً فتكسر، ولا تكن ليناً فتعصر.

فهناك حدود للّيِنِ وللتسامح والطيبة ولا تنتبه لمن يتصل بالوقائع متأخر، ويطالب بالسماح مرة أخرى فأنت الذي لديك اللجام، تعرف منذ متى وأنت تعذر، أو تهمل لأن مثل ذلك التدخل قد يولد لدى الموظف غير الملتزم اعتقاد بأن المحاسبة يمكن أن تلغى أو تؤجل، فاليوم من خلال زيد، وغداً من خلال آخر.

إن الحزم أحد أهم الوسائل الإدارية وبدونه لا عطاء ولا إنجاز فالنفس أمارةٌ بالسوء، فالبعض لسان حالهم يقول لماذا ابذل طالما كنت غير مسائل وغير محاسب؟
كما أن جهة عملي لا تميز بين من بذل وبين من لم يبذل فسيّان عملت، أو لم أعمل سأتقاضى راتبي وستتم ترقيتي ، هذه أحد أهم نتائج عدم الحزم ، وثق الأعذار والقرار الحازم قد تحتاجه لمواجهة بعض صعبي المراس.

فحاسب قبل أن تحاسب، فأنت تتولى مسؤولية، وتتحمل التزام تؤديه أنت وزملائك، إذ أن إخلال البعض منهم سيؤدي في المحصلة الكلية، لأن تكون أنت المسؤول الأول.

فمن هو المسؤول عن تدني نتائج التقييمات الذاتية للإدارات، والتي قد تكشفت عن أن هناك قصوراً لدى الآخرين فمن هو المسؤول أنت أم غيرك؟