قائد عصري

د. عبدالله بن ساحوه السويدي

  • الأحد 10, نوفمبر 2019 12:10 م
  • قائد عصري
كتبت هذه الورقة خلال أواخر فترة عملي بوزارة الداخلية، حيث رصدت من خلالها بعض المدارك والخبرات والرؤى فربما يكون لها فائدة ولو كانت يسيرة وقليلة، وتدور فكرتها حول التساؤل التالي كيف تصبح قائداً عصرياً يمزج بين متطلبات الإدارة ومتطلبات من تديرهم مع تطور الزمان والمعارف؟
أولاً: أنت وأنا

يجب أن أعرف تماماً من هو أنا كقائد؟ وما هو موقعي؟ وماذا أريد؟ وإلى أين أريد أن أحلق بإدارتي؟ وماهي إمكانياتي الشخصية؟ وماذا ينقصني لاستكمالها من معارف ومدارك ومهارات قيادية وإدارية؟ وما هي نقاط قوتي لأستثمرها وأوضحها؟ وما هي نقاط ضعفي لكي أستكمل جوانب النقص وأعزز جوانب الضعف فيها؟ أو ألغي جوانب النقص؟

على سبيل المثال، إن كنت قائداً ولا تتوافر عندي صفات رجل العلاقات العامة، فإما أن آخذ دورات ترفع مؤهلاتي في مجالها، أو أن أحاول التغيير من طريقة التعامل والتخفيف من الأسلوب الحاد في التعامل، أو أن أقرب لي موظفاً لديه هذه المواصفات، ليلعب هذا الدور بدلاً مني، ونيابة عني، وكأنه أنا لتقليل فجوة نقص مهارة العلاقات العامة لديّ.

ولا يعني ذلك بأنني لا أحتاج للتغيير في شخصيتي، بل يجب أن أكون رجل علاقات عامة، وأن تكون هذه صفة جانباً من جوانب شخصيتي، فالقائد رجل متعدد المدارك والمواهب والمواصفات، ففي الوقت ذاته أحتاج، لأن أكون طيباً تارة، وآمراً مرات، واجتماعياً تارة، وزميلاً تارة أخرى للتعامل مع المواقف المتنوعة.

ثانياً: النهج والممارسة

لابد أن يكون لديّ كقائد نهج وممارسات، وخط سير واضح كالصدق، والالتزام، والعطاء الخالص، والقدوة الحسنة، والأداء الوافر لترك، أو رسم بصمة وطريقة يعلمها كل من يتعامل معي.

أما بشأن منهجيات العمل فحتى تكون لمؤسسات أي وزارة أو مؤسسة نهج معين وتناغم في الأداء تحتاج لمنهجيات كالمنهجيات التي كانت تعتمدها، وتتبناها وزارة الداخلية التي اعتمدت 38 منهجية، تغطي كافة مجالات العمل في الوزارة، وعممتها، فهل قام كل قائد بتلخيصها وشرحها لكافة المستويات، وتحديد المطلوب منه، ومن موظفيه منها؟ وهل تم دمجها في مضمون ومحتوى عملنا اليومي؟

ثالثاً: التعلم

ليس أسهل من التعلم في هذه الفترة، فقد وفرت الوزارات الدورات والزيارات الميدانية والمقارنات المعيارية للاطلاع والوقوف على أحدث وأميز وآخر التجارب، وما أنصح الجميع به فهو التعلم الذاتي المستمر بلا توقف، فالحياة تمضي والمتغيرات متلاحقة، ومطالب العملاء وأذهان الموظفين تتطور، ومواكبتها لا يأتي إلا بالمزيد من المعرفة في مجال الإدارة، وأعني بها التميز والجودة والاستراتيجية وإدارة المخاطر.

ولا يكاد تجد علماً أو معرفة إلاّ وتجد له جذوراً وعلامات في شبكات التواصل، وأعني بالدرجة الأولى الإنترنت واليوم وسائل التواصل الاجتماعي سهلت من انتقال المعارف لمن يمعن في التتبع والقراءة كالانستغرام، والفيسبوك، وسناب شات، التي تمثل جميعها كنز المعرفة ووسيلة التدرب والتحسين واكتساب المهارات الجديدة.

رابعاً: الثقافة

وأعني بها أمرين الأول أن تكون لدي ثقافة بأن أعمل بشكل مميز وعصري، ويستجيب لمتطلبات الجودة والتميز والاستراتيجية، ولا أعتبره واجباً فقط، أو التزاماً إنما ثقافة تنبع من داخلي، بعدما تترسخ الخبرات والمعارف التي أنهلها بشكل مستمر من مدارس ومصادر المعرفة المختلفة، نتيجة الاحتكاكات الإيجابية، أو السلبية التي تواجهني في حياتي الوظيفية.

الأمر الثاني، أنه بالإضافة للمعارف الإدارية، هناك معارف أخرى هامة اكتسابها لا يشترط ارتباطها بشكل مباشر بوظيفتي وعملي، ولكنها قد تساعدني بشكل مباشر حيث تعمل لي تنشيطاً للذاكرة، أو تمنحني الحيوية عندما أنقطع قليلاً، ثم أعود مرة أخري إلى وظيفتي، وما يحيط بها من معارف.

وعلى سبيل المثال كتابة أو قراءة الشعر، قد يكون سبيلاً إلى الإسعاد والفرح، وهنا يتمكن القائد عندما يكون سعيداً على أقل تقدير، أن يستذكر المعارف الإدارية، ويتذكرها ويستخدمها فيدير بشكل متميز الحوار والنقاش.

خامساً: التحفيز الذاتي

لا أستطيع أن أجزم إن كانت الجاهزية الذاتية، والاستعداد الدائم للعطاء ليلاً ونهاراً هي من نتائج المعارف المكتسبة، أم هي استعداد فطري يخلق الإنسان به، ولكن أن تكون محفّزاً دائما للعطاء دون طلب، ودون أمر ولا خوف، دون رقيب أو مساءلة، فهذا شيء آخر إنه التحفيز.

فلن يلزمك أحداً من المسؤولين أن تعمل خلال الإجازة، فأنت قضيت ساعات عملك، وانصرفت وأنت لديك مسؤوليات أخرى، واهتمامات أخرى، ولكن في ظل منهجية إدارة الوقت، وما تكشفه من مرور الإنسان بساعات قوة، وساعات خمول، وإمكانية الإنسان أن يوظف ساعات وقته القوية، أي ساعات الذروة للأعمال التي تحتاج إلى تفكير وتركيز.

أما باقي المهام كالرياضة، وقراءة الجرائد وشراء الحاجات تتركها لساعات الخمول، فهي ليست ساعات عدم، ولكن هي ساعات لا يكون الإنسان خلالها بتلك الحيوية، التي يقوم فيها بأعمال تحتاج إلى التركيز.
كما أن تطبيق مبادئ الالتزام بتحقيق نتيجة، لا الالتزام ببذل عناية، يقودك لأن تعمل بعد ساعات عملك، تختارها من بعد التزاماتك الأسرية والشخصية والاجتماعية في ظل إدارة الوقت، يدعمها تكوينك الشخصي وولائك لوطنك، ومؤسستك والتزامك الوظيفي، والطموح للبروز والتميز.

وأن تستكمل أعمالك التي لم تكن قد أنجزتها في الأوقات المخصصة للعمل، والتي قد تكون أنت السبب أحياناً في عدم إنجازها، لزيارة صديق مثلاً استغرق جزءاً من وقت العمل، ومرجعنا وأساسنا في ذلك شريعتنا الإسلامية الغراء، في الحديث "إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ"

سادساً: السلوك:

السلوك في غاية الأهمية فأنت قائد في القمة، والكل ينظر إليك، كيف تتصرف في لبسك، في التزامك وانضباطك، " "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ..."، " أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ..."، سواء في داخل المؤسسة أو خارجها. فلكي تقنع شخصاً حتى يتبعك فلابد أولاً أن يقتنع بسلوكك ونهجك لأنهما يعكسان شخصيتك.

فلا تنشغل بالخارجين عن الأصول والمنطق، فلن تعجبهم في كل حالاتك، اجعل دائماً معيارك للتقييم في هذه الحالة الموظف المتميز، وفق القيم السارية، سواء كان مقرباً منك، أو بعيداً، فهذا ليس ضرورة، فنحن نحتاج إلى ذلك القدر من الاحترام، الذي يمكننا من أداء مهامنا بالشكل الذي رسمته لنا مؤسستنا.