نصف الكأس المليان

لؤي سعيد علاي النقبي

  • الأحد 08, سبتمبر 2019 10:35 ص
  • نصف الكأس المليان
طاولة مكتب عليها رزمة أوراق، تقابلها نافذة تطل على حديقة وارفة الظلال، تحرك الرياح أغصانها بدلال تغريه لاستنشاق عبيرها، فينهض من وراء مكتبه مستسلماً لها، فيفتح النافذة، لتتسلل الريح كطفل مشاكس فتتبعثر الأوراق وتتناثر في أرجاء المكان.
ويقفز من مكانه غاضباً نادماً على فتحه للنافذة، ويجري مُلملماً شتات أوراقه ساخطاً، لأنه اضطر إلى قراءة الأوراق مجدداً ليتمكن من ترتيبها، لكنه اكتشف أن ثمة أخطاء عدة عليه تصحيحها، وإعادة صياغتها، ليخرج إلى هواة القراءة أجمل كتاب.

وهنا ممرض في عيادة طبيب، يحكي عن رجل مسن يزور العيادة بشكل دوري بسبب مرض السكر، إذ لاحظ بأنه أثناء دخوله وخروجه عند الطبيب يردد مبتسماً الحمد لله على السكر، فيقول تعجبت من ذلك، وساقني الفضول لأسأله، يا أبتي أعلم بأن حمد الله واجب في كل الأحوال، ولكن مرض السكر مزعج، فرد الشيخ مبتسماً، اسمعني، يا بني، لقد نظرت إلى نصف الكأس الممتلئ، فرغم أن السكر مرض مزمن، إلاّ أنني تعلمت منه، عدة أشياء.

علمني السكر أن أعتدل في طعامي، وأخفف وزني، وعلمني أن أتريض، وأحافظ على صحة جسدي، وبفضل المرض أصبحت أقوم الليل وأكثر من ذكر الله، لأنني استيقظ مرات بسببه للذهاب إلى الحمام ليلاً، كما أنني استطعت التعايش معه بلا خوف، واسمه حلو "السكر"، فقبّلت جبينه لهذه الإيجابية ممتناً لتفاؤله الجميل.

أحبتي كثيراً ما نتذمر، ونتضايق من أمور حياتية نزاولها في روتين يومي، لكننا لا ننظر لنصف الكأس الممتلئ، فنتهور في اتخاذ بعض القرارات المتعلقة بحياتنا، ونتسرع فيها، وحين يتلاشى التذمر ذاك، ننظر نظرة أخرى وبزاوية أفضل، لكن بعد فوات الأوان.

مثال بسيط من واقع الحياة، ففي العودة إلى المدارس، نجد الطلاب يتململون من النهوض مبكراً، ويتذمر ون من المدرسة، والواجبات، كما أن المدرسين مُستاؤون من ثقل نصابهم من الحصص، وأعداد الطلبة.

كما نجد أن أولياء الأمور يتذمرون من الواجبات، والطلبات والمجموعات، متناسين جميعاً أن تلك المنظومة التعليمية تسهم في نهضة الوطن والمواطن، فكم من طالب ترك الدراسة ملتحقاً بسوق العمل، لكنه بعد حين يعود أدراجه لصفوف الدراسة متيقناً بأن العمل بلا علم لا ينفع.

فقد تكون لنا أحبتي في بعض الأقدار أزمات، لكنها تُعد رحمات وخيرات من رب العباد، فلنجعل نصف الكأس الممتلئ نصب أعيُننا ولنتفاءل خيراً لنجده.