اشتقنا والله ...

لؤي سعيد علاي النقبي

  • الأحد 04, أغسطس 2019 09:13 ص
مكتب وابتسامة، ونفس تواقة، ومتنفس وإفطار جماعي، وتكاتف تلقائي، كلنا موظفون لا يجمعنا قروب واتساب، ولا تويتر يحول دون لقاء الأحباب، ولا انستغرام يحرمنا لذة الانسجام، ولا سناب يمضغنا من ناب إلى ناب.
نعم تلك الصورة المبسطة للعمل فترة التسعينيات، وأنا شهدت ذلك، كانت قلوبنا تعشق الوظيفة، لأننا نعلم بأن أخطاءنا ستقابلها قلوب نظيفة.

وكنا صغاراً في سوق العمل، لكن من سبقونا بالمحبة سبقونا، وكنا نخرج من بيوتنا صباحاً إلى بيتنا الثاني، إذ كنا وسط أسرة حقيقية بمعناها، فتجد لديك أخاً أكبر، وأباً وأقارب، رغم أنهم ليسوا أقارب.

ولم نكن نكترث بالمسميات، بل كان مسمى كاتب يجمعنا، وتوقيع الخروج يصرفنا، وكان منا مَن يناوب في الحراسة مكان الحراس من آبائنا، ونحرص أن نمر عليهم مساء من حبنا لهم بسبب طيبتهم، وكذلك للاستفادة من خبراتهم، ووفائهم منقطع النظير.

وكنا لا نسأل عن غياب شخص ليُخصم من راتبه، بل لنطمئن على أحواله، ولو ألمت به ضائقة مالية، نلتم لفك كربته، نقدم الأعذار قبل أي إجراء، لأننا تعلمنا أن العمل الصالح هو الذي سيبقى، وكذا السيرة العطرة.

وكنا نراعي خواطرنا دون قصد أو تكلف، وكنا نعرف ظروف بعضنا البعض، لأننا متساوون ومتقاربون في السلوك، وقليل مَنْ يشذ منا، وحتى لو خالف القاعدة نحتويه، ونقدم العفو قبل كل شيء، مع مراعاة أسرته،  بعدم ضياعها في حال إقالته، لا أتذكر أننا وصلنا لكتابة توصية تؤدي للإقالة أبداً، إذكنت أعمل بدايةً في شؤون الموظفين.

ولم تكن هناك بصمة إصبع، لكن وجدت بصمات للعطاء والإنتاج، لدرجة كنا نداوم في المساء عندما تتراكم المعاملات، لأننا نعمل بشكل يدوي، ونظام الملفات والأرشفة ورقي، والبريد في دفتر، المهم كنا ننجز، ولا ننظر لساعات العمل المحددة.

إنها ذكريات عشتها، ووددت كتابتها في سطور، لكنها تحتاج لشهور، رحم الله من توسدوا القبور، وأطال بعمر من بقي منهم، وألبسهم ثوب الصحة والعافية، فعالم الذكرى يحمل بين طياته الكثير من ورش العمل التي افتقدناها للارتقاء بالعمل.