الشارقة، حديقة الثقافة ونشيّدها

الشفيع عمر حسنين

  • الأربعاء 23, يناير 2019 10:32 ص
  • الشارقة، حديقة الثقافة ونشيّدها
بين الشعر والآخر، وبين دفق الحروف تقف الشارقة مسرحاً واسعاً وفسيحاً، تفردُ الساحات لكل الشعراء، وبين القافية والقافية تفتح الشارقة ذراعيها بكل حبٍ ورؤى ثاقبة لجُملة أصحاب القوافي الجميلة، الذين يتوافدون إليها مثل الفراشات الباحثة عن النور لتكحّل عيناها، وتروي حكاياتها.
يتوافد الشعراء من مختلف أوطان الحرف العربي، ومتحدثيه ومحبيه، تلتقيهم الشارقة، وكلها آذانٌ صاغية، ليلقوا عليها ما اعتصرته دواخلهم، وما جادت به قرائحهم من عذب الكلام وحُلوه، من أناشيد الفراشات المزهوة بحديقة الشعر الباسمة، لتتوالى مهرجانات الشعر العربية، وغيرها في شارقة الثقافة والعلم والمعرفة. 
 
قبل أيام، سعِدنا بمتابعة مهرجان الشعر العربي على مسرح قصر الثقافة، وفي الأثناء كانت المسارح المصرية تعجُّ بالمسرحيين العرب ضمن مهرجان المسرح العربي، وفي المدن العربية من أدناها إلى أقصاها تصدحُ الأمسيات في بيوت الشعر.
 
واليوم نتابع مهرجان الشعر الشعبي، وبين كل تلك المهرجانات الثقافية ترتسم مواعيد دائمة، ثبتتها الشارقة وفق برامج مدروسة، ودوزنتها كأوتار رقيقة تعزف ألحاناً بكل ألوان الفنون والآداب.
 
 ألحانٌ تُطرب مثقفي ومستنيري العالم العربي، دفقات تلو الأخرى، وضعتها الشارقة قبل عقود مضت، وزادها الانتشار وتحقيق الأهداف روعة وجمالاً. 
 
لكن ما كان هذا الحشد العريض ليكون لولا صدق النوايا، وبراءة الإعلان، وسلامة المنهج، متدثرين ثلاثتهم بعمق الفكرة التي تنتصر للثقافة الإنسانية والعربية، ولغتها المجيدة، شعرها وقصصها ورواياتها ومسرحها وفنونها ونقدها، وقبل ذلك، أطفالها فلذات أكبادها، ومشروعات المستقبل وضمانة الوطن الكبير، وكل ما تأتلقُ الشارقة به صباح مساء، طوال أيام السنة. 
 
هذا الصدق، والعمق والسلامة والبراءة، هم من أعطوا الشارقة رونقها المميز، وصورتها البّاهية في خارطة الثقافة العربية وصولاً إلى العالمية من عروبتها المقيمة دوماً. 
 
كانت الأفكار تتوالى، صُعوداً لا هبوطاً، والسلامة تتّصل وتتكامل أسبابها، والبراءة تزدادُ وتُنافِس الأطفال حقّاً، ولم لا، فالمناخُ مهيئٌ بكل ما تحمل الكلمة من معنى ومبنى وسياج واسع يرحبُ بالجميع، وبيوت الشعر تفتح الباب مشرعاً لأهلها في مدنهم وقراهم.  
 
هذا الصدقُ في النوايا والبرامج والعمل، أرسى مناخاً هادئاً مهيأ للعمل والإنتاج، فكان أن تسابق أهل الثقافة إلى هذه البقعة وارفة الظلال من الوطن العربي. 
 
إمارةٌ لا تفعل شيئاً خارقاً، ولكنها تستنطقُ الصخّر العصي وتُذيبه وتُحيله إلى كتاب جليل يحمل جزءاً غالياً من الحضارة العربية، التي تشرق من هنا، وهو ما يستكمل طعم فاكهة الإمارة وظلها الظليل ومشروع الشارقة الاستراتيجي في الثقافة. 
 
كل هذا الجهد، وهذا النشيدُ الشارقي، فالغنّاءَ كان وراءه رجالٌ حملوا همّ الحرف العربي، وكلماته وثقافته بمفهومها الواسع، وعملوا ليلاً نهاراً، فرحين بما أتاهم من مدد غزير للعمل والتشجيع، فكان أن نهضوا رجالاً ونساء لتكون الشارقة مطراً منهمراً في حبّ اللغة العربية، إمارةً باسمة تتسع ابتسامتها لتصِل المشرق بالمغرب، وأفريقيا بآسيا، والخليج بأوروبا.
 
كثرٌ هم من يتحدثون شتى اللغات يتوافدون إليها جماعات وفرادى، موسماً تلو الآخر، ومهرجاناً عقب نظيره، ومعرضاً إثر معرض، لتسطع شمس المعرفة والثقافة والفنون والعلم من الشارقة عملاً دؤوباً لا يتوقف، وتجارب غنية تتواصل، ورؤى ثاقبة تتحقق، ليُصدح باسمها في المحافل الإقليمية والعربية والعالمية، معرفةً وثقافةً وعاصمة عالمية للكتاب.