العطاء أقوى من الوباء

مريم الحمادي

  • الأحد 17, مايو 2020 12:03 م
  • العطاء أقوى من الوباء
يأتينا رمضان هذا العام بينما ينشغل العالم بمؤسساته وحكوماته في البحث عن علاج أو لقاح لفيروس كورونا المستجد "كوفيد–19"، وفي ظل عدم ظهور اكتشافات مجدية حتى الآن للقضاء على المرض، قد يشعر البعض بأننا لا نمتلك أدوات فعالة لمواجهة الجائحة، وهذا شعور خاطئ، فنحن نمتلك أكثر أدوات مواجهة الأزمات فعالية، أدوات لا تحتاج إلى مختبرات وأبحاث أو اختراقات علمية، أدوات موجودة في داخل كل شخص، إنها قيم الخير والعطاء والتعاون والوقوف إلى جانب الضعيف ليكون قوياً في مواجهة الأزمة.
بهذه الأدوات، تؤمن "مؤسسة القلب الكبير" وبها تسترشد منذ انطلاقتها في تصميم برامجها ومشاريعها في المجتمعات منخفضة الدخل وأماكن تجمعات اللاجئين والنازحين، ولأن فيروس كورونا المستجد، كغيره من الآفات الصحية والاجتماعية، يبحث عن الثغرة الأضعف لاختراق المجتمعات، والتي تتمثل في ضعف بنى الرعاية الصحية والتجهيزات والاحتياطات الطبية، وجهت سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي رئيسة "القلب الكبير"، المناصرة البارزة للأطفال اللاجئين في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، منذ بدايات الأزمة، بوضع كافة إمكانيات المؤسسة لتعزيز قدرات المجتمعات منخفضة الدخل والفئات الاجتماعية المتضررة، لتكون جزءاً من السد المنيع في مواجهة الجائحة.

وبناءً على توجيهات سموها، بدأت استجابة "القلب الكبير" للتحديات التي تفرضها الجائحة، من داخل دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث دعمت قرار التعليم عن بُعد بتوفير أجهزة لوحية دراسية بقيمة 300 ألف درهم إماراتي لطلبة المدارس الخيرية في الشارقة، وبذلك ساهمت المؤسسة في تجنيب طلبة المدارس وعائلاتهم خطر العدوى، وساعدتهم على استكمال تعليمهم المدرسي من دون انقطاع.

التحرك الثاني للقلب الكبير كان في فلسطين المحتلة، حيث حولت "مدرسة القلب الكبير للصم والبكم" في قلقيلية إلى مركز حجر صحي للمصابين بالمرض أو المشتبه بإصابتهم بالتعاون مع السلطات المحلية ووزارة الصحة، وبذلك ساهمت المؤسسة في تعزيز قدرات الاستجابة للجائحة في مدينة قلقيلية والقرى التابعة لها، البالغ عدد سكانها نحو 121 ألف شخص.

أما في مصر، سارعت "القلب الكبير" بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة النداء "المؤسسة المصرية للتنمية المتكاملة"، إلى تحويل مصنع الألبسة الذي قامت بتأسيسه في محافظة قنا لتوفير فرص عمل للفئات الأقل دخلاً، إلى مصنع للكمامات الطبية بعد توفير التدريب اللازم للعاملات فيه واتخاذ كافة الإجراءات ليقوم المصنع بدوره في توفير هذه الوسيلة الوقائية للمحافظة وأريافها، وبشكل خاص الفئات الاجتماعية محدودة الدخل.

ولأن العمل الإنساني لا تقهره حدود ولا يفرق بين الشعوب والأجناس والثقافات، أطلقت "القلب الكبير" مبادرة "دعمك لهم مسافة أمانهم"، بهدف جمع التبرعات لصالح تعزيز القدرات الصحيّة لتجمعات اللاجئين في فلسطين ولبنان والأردن وبنغلادش وكينيا، حيث يعيش اللاجئون في هذه الدول داخل أماكن مكتظة تفتقر لأنظمة رعاية صحية تتناسب مع التحديات التي فرضتها الجائحة.

ولم تستثن المبادرة المقيمين على أرض دولة الإمارات، وخصصت جزءاً من التبرعات لتوفير حزم للمتأثرين بسبب إجراءات احتواء فيروس كورونا.

دروس كثيرة نستقيها من المرحلة الراهنة، الأول يؤكد ما طرحناه في مقدمة المقال، وهو أن قيم الخير والعطاء والتعاون تشكل في مجموعها منظومة وقاية ومواجهة قوية، قادرة على الحد من تداعيات الأزمات بمختلف أشكالها، وهي كما قلنا منظومة متاحة ومتوفرة، والآن هناك حاجة إلى تفعيلها اجتماعياً ومؤسساتياً أكثر من أي وقت مضى.

الدرس الثاني يتمثل في الوقاية والجهوزية، وهو ما يؤكد أهمية كل ما قامت به "القلب الكبير" وغيرها من منظمات ومؤسسات العمل الإنساني، لتعزيز القدرات الصحيّة في تجمعات اللاجئين والنازحين، والمتضررين من الصراعات والكوارث خلال السنوات الماضية، بفضل هذه البرامج، تمتلك الكثير من هذه التجمعات الآن سبل وقاية صحية، مع التأكيد على ضرورة الدعم المتواصل لها لترتقي وتستجيب للطوارئ والمستجدات.

الدرس الثالث هو أهمية الجمع بين الدعم المادي والمعنوي، ففي ظل هذه الظروف التي أدت إلى عزل مئات الملايين من البشر داخل بيوتهم، تبرز الحاجة إلى التعاطف والتعاون، وبشكل خاص حاجة الضعيف للشعور بأننا إلى جانبه وأنه لا يقف وحده في مواجهة مصيره، هذا الشعور يعزز المناعة ويوحد الإنسانية في اللحظات الصعبة.

لقد أثبتت هذه الأزمة أن القيم التي تنشأ عليها المجتمعات تشكل رصيدها وسمعتها ومكانتها في العالم، ونحن بفضل الله نشأنا في بلد الخير والعطاء والقيم الأصيلة، وهذا يفرض علينا أن نكون أفراداً ومؤسسات في مقدمة المبادرين بالعون والمساعدة، ليكون هذا العالم كما نريده أسرةً واحدةً، تتشارك طموحاتها وأحلامها، وتقف صفاً واحداً منيعاً إذا اشتدت الظروف عليها، ولتثبت مرةً بعد أخرى أن العطاء أقوى من أي وباء.