تجربة تستحق الرصد

الدكتور سعيد مصبح الكعبي

  • الأحد 14, يناير 2018 في 7:45 ص
تؤسس الزيارة التي نظمتها وزارة التربية والتعليم إلى اليابان نقلة نوعية في العلاقات التعليمية بين البلدين، من خلال خلق الشراكات على نطاق واسع مع دولة ذات وزن وثقل سياسي وعلمي واقتصادي عالمي.

وترى الإمارات في التجربة التعليمية اليابانية نموذجاً يمكن الاستفادة منه في مجالي الابتكار والاختراع، بالتزامن مع تطبيق رؤية الإمارات 2021.

الزيارة العلمية التي ترأستها معالي جميلة المهيري وزير الدولة لشؤون التعليم العام، هدفها رفد الكوادر التربوية بالمهارات والمعارف والتعرف على التجارب العالمية المميزة في الحقل التربوي، مستهدفة خدمة القطاع التعليمي بشكل شمولي.

وقد كنت محظوظاً بما فيه الكفاية للسفر برفقة كوكبة من الزملاء إلى هذا البلد الاستثنائي في تفاصيله، باعتباره نموذجاً يستحق الوقوف على تاريخه ومراحل تطوره.

تجربة حية تنبض بالحياة

منذ اليوم الأول كان استغلال الوقت عنوان رحلتنا الأبرز، وكانت الزيارات الميدانية للمؤسسات التعليمية تبدأ منذ الساعة الثامنة صباحاً وفق جدول نظم بعناية فائقة، وكانت معاليها حريصة على المشاركة في جميع الزيارات، وما أن ينتهي اليوم حتى يتبعه اجتماعاً يتحدث فيه كل فريق عن انطباعاته مستنداً لما شاهده، ومدى إمكانية تطبيق التجارب النوعية في الدولة، وكانت الأفكار التي تطرح تستحق الوقوف عندها طويلاً، لأنها ببساطة لا تصدر عن أشخاص عاديين وإنما عن فريق عمل متميز أبهرني التزامهم ورغبتهم في الاستفادة وإفادة دولة الإمارات، التي نعمل من أجلها ويحدونا الأمل في أن نقدم للوطن جزءاً مما يقدمه لأبنائه ، فيما كانت لقاءاتنا الجانبية على هامش أي زيارة بمثابة عصف ذهني قرب الكثير من وجهات النظر و وضح العديد من النقاط.

وشخصياً دار بيني وبين سعادة الدكتور عبد الرحمن الحمادي مدير معهد أبوظبي، أثناء عودتنا من تناول العشاء نقاشاً بناءً اتسم بالودية لكنه لم يخلو من الفكر العميق وتبادل الآراء.

التعليم في اليابان

المتأمل لواقع التعليم يرى التقدم العلمي الهائل الذي تعيشه اليابان، وما يثير الاستغراب حين تعرف أن تاريخ هذا التقدم ليس طويلاً، وينظر اليابانيون إلى التعليم كدعوة ورسالة إلهية، وأنه ليس مجرد وسيلة لكسب العيش، ولذا كانت المهنة تجذب الساموراي وهم المفكرون والمحاربون في العصور الإقطاعية، فيما يعتمد تأسيس الإنسان الياباني بشكل كبير على مدرسته وعلى التعليم الذي يتلقاه، والذي بدوره يحول هذا الطالب إلى مخترع أو منتج أو مبدع وأخيراً إلى شخص له دور في الحياة ليكون مؤثراً فيها.

وبعد زيارتنا تمكنت من تشكيل رؤية واضحة عن التعليم، فالمعلم في اليابان موظف عادي يتبع الحكومة، ليس لديه امتيازات أو رواتب عالية ومكانته لا تختلف عن مكانة أي موظف آخر، فهناك الكل يحترم الكل كقيمة تغرس فيهم منذ الصغر، فيما يعمل المعلم يومياً مدة زمنية لا تقل عن خمس ساعات لينضم بعدها كمشرف في الأندية الطلابية حتى الساعة الخامسة، ولكن النقطة الجوهرية هنا الاختيار الدقيق للمعلم وانتقائه وفقاً لسلسلة اختبارات غاية في الصعوبة، تضمن لهم "تعيين النخبة" ليُعطى المعلم المختار رخصة تخوله لممارسة المهنة تتجدد كل عقد من الزمان، فيما تتولى مراكز التدريب والتطوير المهني تدريبهم وتوفير السكن لهم إن كانوا يقطنون في مناطق بعيدة، وما استوقفني أيضاً "عدم وجود نظام ترقيات محدد للمعلم فقد يبقى في وظيفته 40 عامًا دون ترقية، ولا يعامل معاملة الملوك كما تردد على مسامعنا كثيراً، ولكن الفرق الوحيد هو الإعداد ووجود فرص الاختيار الأكبر.

وبالانتقال إلى المرافق المدرسية التي زرنا العديد منها فتجدها فقيرة تنقصها العديد من التجهيزات، تعتمد على السبورة العادية والطباشير، والمقاعد الخشبية والمختبرات التقليدية بمحتوياتها، ولا توجد بها تلك التقنيات ولا المساحات الواسعة، فيما بعض المدارس تستغل الأسطح كملاعب، على خلاف المدارس في الإمارات التي تعتمد الأنظمة التقنية المتطورة وأحدث المرافق والمعدات.

من الأمور التي تجعل المرء يقف تقديراً لها، وأرغب في نفس الوقت مشاركة من يقرأ هذه السطور بها هي "مادة الأخلاق"، التي تدرس لديهم منذ الخمسينيات وهي عبارة عن القواعد التطبيقية العامة، والتي يتعلمونها ويطبقونها جميعاً دون استثناء، لذا تجد للسلوك نسقاً متشابهاً لدى الشعب الياباني وأهم تلك القيم التعاون، احترام الآخر، حب الوطن بالسلوك والعمل، العمل كفريق، لذا نجد ألعابهم تقوم على الفعل الجماعي كرسم لوحة كبيرة أو سباق، كما يزرعون في وجدان الطلبة تقبل الآخر واحترامه، وهو ما لمسناه عند زيارتنا لبعض المدارس إذ استقبلنا طلبتها وهم يلوحون بعلم الإمارات إلى جانب علم دولتهم، فيما كانت التحية الترحيبية "بالسلام عليكم "والوداع "شكراً مع السلامة".

ومن جانب آخر لدى المدارس اليابانية دمج لذوي الإعاقة، إذ توضع لهم برامج تتوافق مع قدراتهم، أما المعاهد المسائية فدورها يكمن في رفع مستوى الطلبة بطريقة تحفظ للمعلم كرامته.

بعض الملاحظات تنطبع في الذاكرة وتأخذ مساحتها وبعد انتهاء الزيارة لهذه الدولة، فإن ما يجعل النظام التعليمي لديهم ناجحاً إضافة إلى ما أسلفناه، التخطيط المنظم واعتماد البرامج والخطط بشكل متأني دون اتخاذ أي قرارات فورية.

فالبرامج والخطط لا يتم تعديلها أو تغييرها بشكل مفاجئ كقرار اعتماد تعليم الإنجليزية للطلبة من الصف الخامس، الذي ستبدأ الدولة بتطبيقه عام 2020، أي بعد قرابة عامين من الآن، فيما المتبع لديهم بدء تعليم الإنجليزية للطلبة في الصف السابع، أما الترتيب فهو سمة هامة في الفصل.

والمعلم مستمع جيد للطلبة يمنحهم المساحة الكافية لإبداء آرائهم ومناقشتهم بها لاحقاً دون أي مقاطعة، وتكتب جميع الأفكار وتناقش في أجواء تسودها لغة الاحترام وتقديس النظام.

كما تلمس أيضاً الاهتمام بالتربية البدنية وربطها بالتحصيل العلمي ربطاً مباشراً، وأحيانا تنفذ بعض الحصص العلمية في الصالات الرياضية أو قاعة الألعاب بمشاركة مباشرة من الطلبة الذين يحملون المقاعد إلى ساحة الملعب، ويعدون المكان ليكون فصلاً دراسياً.

أما القراءة فتمثل سلوكاً يومياً لدى المجتمع الياباني على اختلاف شرائحه، والأجمل أن الطفل اللبنة الأساسية يتم تشجيعه على قراءة ألف كتاب قبل أن يصل إلى الصف الأول، ويُعد الاعتماد على النفس نهج أبناء هذه الدولة.

ومن المواقف التي أعجبتني في هذا الإطار حين حضر ولي أمر لحضانة طفليه بالدراجة الهوائية، أركب أحدهم خلفه فيما ابن الرابعة من العمر ركب دراجته بعد أن وضع الخوذة، الموقف راق لي على الرغم من بساطته لكنه يحمل دلالات كثيرة.

بقي أن أقول أن هذه ليست زيارتي الأولى لليابان، حيث صحبني في الزيارة الماضية إخوة أعزاء، سمعت منهم الكثير عن ثقافة اليابان التي تعرفوا عليها عن كثب بحكم تواجدهم فيها فغالباً ما تطرقوا إلى حضارة وتاريخ هذه الدولة، ورغم كل هذه الإنجازات يشعر الياباني بضغوط اقتصادية واجتماعية كبيرة أدت لارتفاع نسب الانتحار لديهم جاء في مقدمة أسبابها ازدحام الحياة وصعوبة المنافسة، كما يوجد في اليابان مشكلة ديموغرافية فالسواد الأعظم من سكانها من كبار السن ما يهدد هذه الحضارة العظيمة.

الخلاصة

اليابان بلد عظيم بنى حضارة كبيرة وعظيمة، لكني أتوقع أفول نجمها بعد أن وصلت إلى القمة وبدأ يتسرب جنون العظمة لدى مثقفيها.