من سلسلة أحاديث لا تَمت للنبي صلى الله عليه وسلم

مجموعة الدراسات الحديثة بجامعة الشارقة

  • الخميس 12, يوليو 2018 في 9:06 ص
إنّ المصدر الأوّل الذي يجب الرجوع إليه والاحتكام به، هو كتاب الله عزّ وجلّ، والسنةُ النبويةُ هي البيان الشافي لمعاني القرآن الكريم، لذا وجب التأكّد من ثبوت ما ينقله عن النبيّ، من الأقوال والأفعال،
اعمَلْ لِدُنيَاكَ كأَنَّكَ تَعِيشُ أبداً، واعْمَلْ لآخِرَتِكَ كأنَّك تَمُوتُ غَداً 
 
هذا الحديث مشهور جداً على ألسنة الناس، بل ربّما وجدناه مكتوباً على لوحات جدارية منسوباً إلى النبيّ، وربّما تحدّث به الخطباء في خطبهم، والوعاظُ في مواعظهم، وهم لا يعرفون صحّة نسبته إلى النبيّ.
 
وننبّه أوّلاً، إلى أنّ هذا اللفظ الذي يتناقله الناس، لا يوجد في كتب الحديث وغيرها، والنصُّ الموجود هو "احرث لدنياك كأنك تعيش أبداً، واحرث لآخرتك كأنك تموت غداً".
 
فهو مذكور بهذا في كثير من الكتب، وأورده بعضُ العلماء على اعتباره حديثاً مرفوعاً إلى النبيّ، كأبي عبد الله القرطبي، والمتقي الهندي، وغيرهما.
 
والحقيقة، أنّه لا أصل له البتّة من كلام النبيّ، وعلى هذا، فلا يجوز لأحد أن ينسبه إلى رسول الله.
 
بيد أنّه، ورد في كتب العلماء من قول بعض الصحابة، وقد نسبه كثير من العلماء إلى ابن عمر رضي الله عنهما.
 
كما أورده بعضهم من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، ونسبه البعض إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، وعزاه البعض إلى أبي الدرداء.
 
لذا، فهذا الكلام الذي يتناقله الناس على أنّه من كلام النبيّ، ليس كذلك، وإنّما هو أثر وارد عن بعض الصحابة، وبأسانيد ضعيفة.
 
وأمّا معنى هذا الحديث فقد يكون صحيحاً، إذ هو دعوة إلى الموازنة بين العمل للآخرة والدنيا، يعني أنّ على المسلم أن يوازن بينهما، فيعطي لكلّ واحدة حقّها، فلا يتعلّق بأحدهما على حساب الأخرى. 
 
وهذا المعنى صحيح لا غبار عليه، بل هو الذي جاءت الشريعة لتقريره، فالدنيا مزرعة الآخرة، وحكمة الخلق، هي عبادة الخالق وعمارة الأرض.
 
ولكنّ المعنى الذي يروج بين الناس، وينتشر هو معنى غير صحيح، فالناس يوردون هذا الحديث ويستشهدون به في وجوب أن يأخذ الإنسان حظّه من الدنيا، ويعمل من أجلها كأنّه لن يموت أبداً.
 
يعني أنّ الناس يستدلّون به لحرصهم على الدنيا، مع أنّهم مقصّرون في العمل للآخرة، بل إنّهم يوردون هذا الحديث لتبرير حرصهم وانشغالهم بالدنيا عن الآخرة.
 
بينما، إذا نظرنا إلى نصّ الحديث وجدناه، يذكر الدنيا والآخرة، وأنّه كما على الإنسان أن يعمل للدنيا، فإنّه يجب عليه أن يعمل للآخرة، كأنّه سيموت غداً، يعني أن يقطع أملَه الطويل في الدنيا.
 
والخلاصة أنّ هذا الحديث الذي يتداوله الناس فيما بينهم، ليس من كلام النبي أصلاً، وإنّما ذكره العلماء من كلام بعض الصحابة بأسانيد ضعيفة، وأمّا معناه فمقبول إذا أُخذ نصّه كاملاً.