التعايش بالعدل ورعاية التنوع بالإحسان

أ.د. نجم الدين قادر كريم الزنكي

  • الخميس 23, يوليو 2020 10:50 ص
  • التعايش بالعدل ورعاية التنوع بالإحسان
فلقد خلق الله الإنسان شعوباً وقبائل، وألواناً وأمماً، وقد سألهم عَمارة الأرض بالخيرات، فخلقَهم أصنافاً متعددين وأمماً متنوعين وطلب منهم عمارة الكون، وأخبر في كتابه العزيز أنه شاء الأمر كذلك، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين؛ فقد قال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) [هود: ١١٨].
قال الطبري: "يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربك، يا محمد، لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة، ودين واحد... ولا يزال النَّاس مختلفين".

ولئن كان ذلك الاختلافُ ظاهرةً كونيةً لا تتبدل في سنة الله تعالى، ولا يمكن التحكم فيها بإرادة بشرية منفردة، فلا سبيل إلى تجاوز مظاهره السلبية إلا بالرحمة التي تمتدّ على قاعدة مسلمة من التعايش والتسامح والتعاون، والقيام بالعدل والإحسان، وهي قيم أعلت الشرائع من شأنها، ويمكن الحفاظ على مقوماتها بالتشريع والتقنين، وبالتعليم والتثقيف والمعايشة.

ولا بد أن تسهر عليها الشعوب والأمم، وتسوّد فيها قوانين وتبيّـض فيها تشريعات عادلة، من أجل النهوض بها وتثبيتها وحمايتها، ذلك أن اختلال التوازن سيؤدي إلى ما لا يحمد عقباه من القلق والاضطراب والحروب الطاحنة والكوارث المدمرة والآفات المزمنة؛ ولا سيما عند استمكان الجهل وذهاب الهدى عن العقول.

لذا، فإن التأكيد على احترام المشتركات الإنسانيّة والتواصل الحضاري مهمٌّ يجب أن تضطلع به الجامعات والمؤسسات وأن تنشأ عليها الأجيال؛ إذ لا يمكن أن يتحقق التعايش بين الحضارات والثقافات إلا بنوع من العقلية المتفتحة والتفكير الواسع النير.

فالسلام، إنما يبدأ من تربية الفرد على مسالمة ذاته والاعتراف بالآخر والإقرار بحقه في الوجود، واللجوء إلى الوسائل السلميّة والحوار في حل المشكلات وعلاج الأزمات ما أمكن، وبهذا يتحول التسامح إلى ثقافة كونية واسعة، ويكون اللجوء إلى العنف ووسائله وأدواته دون مبرر، من العادات الذميمة والأخلاق المهجورة.

وفي ديننا الحنيف نصوص دلت على أن روح الاستئصال للآخر ذميمة، وأن العداء لا يبرر الاعتداء، قال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا) [المائدة: ٨]، وقال: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا) [المائدة: ٢].

فلا ينبغي لأحد مهما علت نفسه وطاب معدنه أن يتخذها سبيلاً لحسم مادة الشرور في الآخر، مهما سفل معدن ذلك الآخر وساءت أخلاقه وفسدت سريرته؛ حتى إن نبينا الكريم دل نصاً وإشارةً على أنه يجب العدل والاعتدال في التعامل مع الأمم، ولو كانت أممَ نملٍ وكلابٍ.

فقد أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فـأمر بجَهازه فأُخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأُحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملةً واحدةً) [صحيح البخاري، باب خمس من الدواب فواسق، ح٣٣١٩].

كما أخرج أبو داود بسنده عن عبدالله بن مغفل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن الكلابَ أمةٌ من الأمم، لأمرتُ بقتلها) [سنن أبي داود، كتاب الصيد، ح ٢٨٤٥]، فقد منع النبي صلى الله عليه وسلم من قتل أمة الكلاب وعلل ذلك بأنها أمة من الأمم.

فإذا كان هذا حال أمة الكلاب في ديننا الحنيف فدونك حال أمم الإنسان التي جعل الله اختلافها آية من آياته، بها يعرف الحق سبحانه وتعالى!.