الاجتهادُ في الدّين من غير أهله

أ.د محمّد بن عمر سماعي

  • الخميس 25, يونيو 2020 10:49 ص
  • الاجتهادُ في الدّين من غير أهله
إنّ انحراف الفكر والبُعد به عن سواء السّبيل يُعتبر من أخطر أنواع الانحراف، لما له من تأثير ظاهر في سلوك الإنسان، وكيفيّة تعامله مع مجتمعه ونوعيّة تعاطيه مع المستجدِّات العالميّة.
 والانحراف الفكريّ آيلٌ في غالبه إلى كثير من السّلبيّات والمواقف التي تتناقض مع المقاصد الشّرعيّة، وتتعارضُ مع مصالح الأمّة، وراجعٌ في مجمله إلى خلل في البناء المنهجيّ النّاشئ في الأساس من:

(1) الجهلُ بأصول التشريع: والمتمثّلة في كتاب الله وسُنّة نبيّه صلى الله عليه وسلّم والإجماع والقياس، أو الإعراض عن الأخذ ببعض الأصُول التّابعة لها؛ كترك العمل بالمصالح والاستحسان.

(2) الجهلُ بمناهج التّعامل مع هذه الأصول: كالجهل بمآخذ الأدلّة ووسائل الاستنباط، أو الجهل باللّغة العربيّة وأساليبها، أو بمعنىً آخر  الجهلُ بمناهج تحليل نصُوص الوحي، وكيفيّة استنباط الحكم منها.

وجماعُ ذلك كلّه: صدورُ الاجتهاد من غير أهله؛ أي الاجتهاد غير المنضبط كما يُطلق عليه علماء الأصُول.

وهذا النّوعُ من الاجتهاد له سلبيّاتٌ كثيرةٌ؛ لعلّ من أظهرها:

تشويه صُورة الدّين: وذلك بإظهار الدّين في صورة ممسوخة لايقبلها العقل، ولا يُساندها النّقل، ولا تُعبّر عن حقيقة الدّين الذي ارتضاه الله لعباده ديناً إلى قيام السّاعة.

تنزيل الأحكام على غير مواقعها: فإنّ لكلّ حكم شرعيّ وجهان، وجهٌ علميّ يتعلّق باستنباط الحكم من الدّليل، ووجهٌ عمليّ يتعلّق بمعرفة ما يُسمّيه الفقهاء بـ[مواقع الأحكام]؛ فالحكم قد يثبت من جهة الدّليل، ويمتنع تطبيقه لتخلّف شرط أو وجود مانع.

ذهابُ الثّقة في المراجع الدينيّة: وذلك بسبب ما يراه العامّة من فتاوى مضطربة ومتناقضة، وبسبب أنّ كثيراً من تلك الفتاوى لا تصبّ في خدمة المصالح الكبرى التي جاء الشّرعُ لتحقيقها في دنيا النّاس؛ فتغدو بذلك أجساماً نافقةً مُجرّدة من أرواحها.

كثرةُ الفتاوى غير المسؤولة: والتي لا تُراعي سلامة الاستنباط ولا سلّم الأولويّات في الواقع، ولا تقدّر الآثار والنّتائج، وذلك أمرٌ خطيرٌ في مجمله، وآيلٌ في الغالب إلى تجريء العامّة على الشّرع والقول فيه بغير علم، وهو من أعظم الظّلم الذي حرّمه الله.

تمكّن الفوضى التّشريعيّة وانعدامُ التّنسيق: وهذا أمرٌ مشاهدٌ بما لا مجال معه للإنكار في كلّ الدّول والمجتمعات التي أباحت الفتوى في الدّين لكلّ مدّعٍ يزعم نفسه مُفتياً، ولم تُفعّل نظام الحسبة في أمور الدّيانة والإفتاء.

ولمعالجة هذه الظّاهرة وسائل مختلفةٌ؛ يأتي في مُقدّمتها:

إصلاح الخطاب الدّينيّ: فإنّ واقعه شاهدٌ على بُعد الشقّة بينه وبين الاعتدال والتوسّط؛ حيثُ غدت كثيرٌ من الخطابات المطروحة على السّاحة الدّعويّة والتّوجيهيّة منابعَ للتّصوّرات المتطرّفة، والتي لا تمثّل سوى وجهات نظر مُشوّهة، لا يسندها الشّرعُ ولا العقل على حدّ السّواء.

إصلاح مناهج التّعليم التي لها الدّورُ الأكبر في صياغة ذهن الإنسان وفكره: وذلك من شأنه أن يُلزم العلماء والمربّين النّظرَ في مُشكلة مناهج التّعليم، ووَضعِ ما يتناسبُ منها للقضاء على الانحراف والغلوّ الفكريّ.

الاهتمام بالفتوى: فإنّ لها أثراً كبيراً في سلامة تنْزيل الأحكام الشّرعيّة على الواقع؛ وفي توجيه المكلّفين نحو الوجهة السّليمة في امتثالها؛ وذلك مشعرٌ بضرُورة الاهتمام بِهذا الموضُوع والتّأصيل له بما يتناسبُ مع طبيعته وآثاره، وبذل الجهد في إعداد مُفتين مؤهّلين؛ يستطيعون سدّ هذه الثّغرة الشّاغرة في حياة المسلمين اليوم.

العمل على تأصيل مبدأ «احترام التخصّص» وتَرسيخه في الواقع: حتى يُصبح معنى قارّاً؛ بحيثُ لا يُعوّل في أيّ شأنٍ من شُؤون الدّين أو الدّنيا إلا على أهل الاختصاص المشهُود لهم بالتمكّن.

وهذه إنما هي إشارةٌ خاطفةٌ إلى أسباب انتشار ظاهرة الاجتهاد غير المنضبط، وبيانٌ مختصرٌ لأبرز الحلول التي يمكنُ اعتمادُها من أجل علاجها هذه الظّاهرة، ومن أجل النّهوض بالأمّة لما فيه خيرُها في العاجل والآجل.