الأدب مع الله

د. محمد عبد الحميد محمد الخطيب

  • الخميس 09, أبريل 2020 02:26 م
  • الأدب مع الله
قسّم العلماءُ الدِّينَ إلى أربعةِ أقسامٍ: العقائد، والعبادات، والمعاملات، والآداب، فإذا صحّت عقيدة المسلمِ وعباداته ومعاملاته، بقي أن يتأدّب بالآداب الإسلاميّة، وكذلك قسّم العلماء الآداب إلى ثلاثة أقسام: الأدب مع الله، والأدب مع الرسول، والأدب مع النّاس.
وأعظمُ الأدبِ مع الله هو إخلاص العبادة له وحده، وأعظمُ سوءِ أدبٍ مع الله هو الإشراك به، وصرف العبادة لغيره، فالموحِّدُ هو المتأدِّب مع الل،ه وهو الذي يعرف شرعه ويقف عنده.

والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام هم أكثر النّاس أدبًا مع اللهِ تعالى، فإبراهيم عليه السلام وصف الله تعالى: (ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطعِمُنِي وَيَسقِينِ * وَإِذَا مَرِضتُ فَهُوَ يشفِينِ *)، وهذا قمّة الأدب مع الله في نسب هذه الأشياء – الهداية والرزق والشفاء إلى لله تعالى.

وعيسى عليه السلام حينما قال تعالى له: (ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَينِ مِن دُونِ ٱللَّه)، كان جوابه: (قَالَ سُبۡحَٰنَكَ) (مَا قُلتُ لَهُم إِلَّا مَآ أَمَرتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُم) ، هذا قمّة الأدب، إنّه بلَّغ قومه ما أمره الله من غير تحريف أو شرك.

وفي قصّة الخضر مع سيدنا موسى عليهما السلام عندما قال: (فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا) ولم يقل: (فأراد ربك أن يعيبها)، إذ نسب العيب لنفسه ولم ينسبه لله تعالى.

وسيّدنا محمّد قد أعطاه اللهُ خصائصَ كثيرةٍ في الدنيا وفي الآخرة خصَّه بها عن غيره من الأنبياء.

ففي الدّنيا هو خاتم النبيين، ورسالته عامة، كما أنَّ ذنبه مغفور كما قال تعالى: (لِّيغفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)، وقد حُرِّم الكذب عليه، ولم ينادِه الله تعالى باسمه كبقيّة الأنبياء، ونصره بالرعب، وقسم الله بحياته (لَعَمرُكَ إِنَّهُم لَفِي سَكرَتِهِم يَعمَهُونَ*)، وأُبيح للنساء زيارة قبره، ومنع إرثه، وتحريم الزواج من زوجاته بعد مماته؛ لأنهنَّ أمهات المؤمنين، والروضة الشريفة كما قال الرسول: "ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنّة".

ومظاهر تكريمه في الآخرة كثيرةٌ، منها أنّه أول من يُبعث يوم القيامة، وإعطاؤه الشفاعة، ولواء الحمد الذي يُحشر تحته الأنبياء، وتكلّمه باسم الخلائق، وهو أوّل من يجتاز على الصراط، وأوّل من يقرع باب الجنّة، ويُعطى أعلى درجة فيها وهي (الوسيلة)، واختصاصه بالكوثر.

فالأدب مع الله يكون أدب القلب، بتوحيده وتعظيمه وإجلاله تعالى، وألا يلتفت إلى غيره ولا يعتمد إلا عليه، وأدب اللسان، بألا يقول شيئًا ينافي عظمة الله تعالى، وألا يستهزئ بآياته، ولا ينسب العجز إليه، وأيضًا تلقّي أحكامه باليقين والتسليم، وتلقّي أقداره بالصبر والرّضا.

وكذلك احترام كل ما يُضاف إليه كالرّسل والكتب، وعدم كثرة الحركة أثناء الصلاة، فقد فسّر بعض العلماء (ٱلَّذِينَ هُم عَلَىٰ صَلَاتِهِم دَآئِمُونَ) بـ(ساكنون) لا يتحرّكون ولا يعبثون، لأنّهم واقفون أمام الله تعالى.

وهذا معنى الإحسان، وتحرّي الحلال وتجنّب الحرام بجميع الجوارح، فقد أمرنا الله تعالى بحفظ وصيانة هذه الأعضاء عن الحرام، وهذا من تمام الأدب مع الله تعالى.

والسبيل إلى الإخلاص في القول والعمل ليتأدّب المسلم مع الله تعالى يكون بكثرة الدعاء، ومعرفة صفات الله تعالى، فمن عرف أن الله وحده هو الذي ينفع ويضر، ويقدّم ويؤخّر، زال الخوف والقلق من قلبه، ومن عرف أنَّ الله سميعٌ بصيرٌ يعلم ما تخفيه الصدور، طرح من قلبه مراقبة الناس، وبقيت مراقبة الله وحده لا شريك له.

وإخفاء العمل أحيانًا، كصلاة النافلة والصدقة، قال أحد الزهاد: "المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته"، وقراءة سير الصالحين، ومعرفة فوائد الإخلاص، كقبول العمل والنجاة من الفواحش.