أثر الأجهزة الذكية في الاستهلاك غير النافع للوقت

أ.د. حسن محمد الرفاعي

  • الخميس 27, فبراير 2020 09:20 ص
إن واقع الاقتصاد اليوم في الدول المتطورة يقوم على استثمار الوقت بأدنى جهد وأدنى تكلفة، من خلال استخدام التقنية "التكنولوجيا" المعاصرة، وهذا يمثّل الدور الإيجابي للتكنولوجيا ، فمن خلال استعمال الحاسوب الموصول بشبكة الإنترنت، تستطيع الحصول على المعلومة بأدنى وقت، وأدنى جهد وأدنى تكلفة.
لكن بمقابل ذلك ، فإنّ للتكنولوجيا مخاطر على عملية استثمار الوقت بسبب ما يستغرقه كثير من حملة منجزاتها أو آلاتها من إمضاء أوقاتهم في استخدامها دون أن يكون لذلك نتائج إيجابية عليهم ، خصوصاً الأطفال منهم.

  إذ تؤكد الدراسات الحديثة، على خطورة تلك الوسائل على الأطفال الذين يتعرضون من خلالها إلى عدّة مخاطر، منها مخاطر إمضاء وقت كبير في استعمال تلك الوسائل.

وتوضح نتائج تلك الدراسات الحديثة أن أطفال اليوم يقضون بضع ساعات يوميّاً في استعمال الأجهزة الذكية، أي أنها فترة تتجاوز الوقت الذي يقضونه في المدرسة، وتتجاوز الوقت الذي يقضونه مع الوالدين أنفسهما وأفراد أسرتهما بل وحتى أقرانهما من الأطفال.

ويظهر من خلال قراءة المشهد الميداني، أنّ فئة من طبقات المجتمع تستهلك وقتاً غير قليل في استعمال تلك الوسائل، فأفراد الأسرة من زوجة وأولاد وأحياناً الزوج، يقضون قسطاً كبيراً من أوقاتهم في استعمال تلك الآلات ، حتى وصل ذلك إلى حالة تشبه الإدمان.

فالأولاد يستهلكون وقتاً كبيراً في استعمال الإنترنت عبر الحواسيب، أو الجوالات الذكية فيما يرغبون به من استعمال الصفحات الفيسبوكية، وإجراء المحادثات مع أقرانهم عبر "الواتس آب"، ومطالعة بعض المواقع التي تستهويهم، واستعمال اللعب الإلكترونية، ولا يلتفتون إلى دروسهم إلّا شيئاً يسيراً،والأمر السابق نفسه قد يكون موجوداً عند بعض الآباء والأمهات، أو الأزواج والزوجات ممن يحسن التعاطي مع استعمال تلك التكنولوجيا المذكورة.

وما ذكر جاء من باب التمثيل، لكن هناك طبقات أخرى من أفراد المجتمع مُبْتَلَوْنَ بتلك الظاهرة، حتى يمكن القول، إن تلك الوسائل أصبحت تشكل خطراً حقيقيّاً على استثمار الناس لأوقاتهم بالشكل الأمثل بكل ما للكلمة من معنى.

وكأصل يمكن اعتماده للتدليل على استثمار الوقت من منظور الاقتصاد الإسلامي عوضاً عن التعبير بمصطلح " استهلاكه " فقد روى ابْن عَبَّاس مَرْفُوعًا " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظهُ : اِغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْل خَمْس، شَبَابك قَبْل هَرَمك، وَصِحَّتك قَبْل سَقَمِك ، وَغِنَاك قَبْل فَقْرك ، وَفَرَاغك قَبْل شُغْلك ، وَحَيَاتك قَبْل مَوْتك ". رواح الحاكم ، وقال : (حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه ) .

لقد ذكر الحديث خمساً من النّعم بمقابل خمس من المخاطر فبدأ بقوله اغتنم: أي استثمر وانتفع بخمس قبل أن تأتيك خمس من المخاطر، استثمر وقت الشباب حيث الهمة والنشاط، قبل أن تأتيك مرحلة الهرم حيث تضعف الهمّة ويقلّ النشاط.

واستثمر وقت صحتك الجيدة قبل أن يأتيك المرض الذي يمنعك من ذلك، واستثمر وقت غناك قبل أن يأتيك الوقت الذي تصبح فيه فقيراً فتعجز عن ذلك، واستثمر وقت فراغك وإلا فإن الأيام القادمات قد تحمل إليك ما تشغلك،وختم الحديث بضرورة استثمار الوقت في حياتك كلها بما يشمل الصور السابقة للوقت، لأنك إذا متّ، فالذي ينفعك حينها ذلك الوقت الذي استثمرته في تحقيق عبادة الله تعالى وعمارة الكون .

وباختصار يمكن القول إن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من الإنسان في هذا الحديث، أن يستثمر وقت الشباب والصحة والغنى والفراغ والحياة فيما ينفعه ومجتمعه وأمته، قبل أن تأتيه مخاطر تمنعه من ذل ، فلماذا بعد ذلك تستهلك وقتك فيما لا ينفعك؟