القراءة البنّاءة

أ.د محمّد بن عمر سماعي

  • الخميس 13, فبراير 2020 09:19 ص
  • القراءة البنّاءة
القراءة فنٌّ لا يُجيده إلا مَن عرف أبجديّاته، وامتلك آلياته، فكم من القُرّاء الذين يبذلون أوقاتاً طويلةً في القراءة، ومع ذلك فإنّ حصيلتهم منها قليلةٌ جدّاً، وذلك راجعٌ في الأساس إلى افتقادهم إلى أساسيّات القراءة البنّاءة.
وأهمّ هذه الأساسيات:

1. التنوّع: ويكونُ بكثرة المطالعة في مختلف مجالات المعرفة وميادين الثّقافة، ابتداءً بالعلوم الشّرعيّة، وانتهاءً بسائر علوم العصر ومعارفه، وتنويع المقروء من شأنه أن يُنشّط الذّاكرة، ويفتح أبواب المعرفة للاستفادة من تجارب السّابقين ونظريّاتهم وآرائهم، ويمدّ القارئ ببعد النّظر، وسعة الأفق، ويزّوده بالحكمة في التّعامل مع المواقف المختلفة.

2. التّركيز: ويختلف مقدار التّركيز المطلوب في القراءة حَسْب طبيعة الكتاب المقروء ومُستواه، وحَسْب مُستوى القارئ الثقافيّ أيضاً، وحَسْب الهدف من القراءة، فمقدار التّركيز الواجب لقراءة كتاب علميّ مُتخصّص، يختلف عن التّركيز المطلوب لقراءة قصّة أدبيّة، أو كتاب في الثّقافة العامّة، وقد يحتاج الكتاب الواحدُ إلى قراءته عدّة مرّات لترسيخ المكتسبات العلميّة، أو لاكتساب معلومات أخرى لم يتيسّر الوصول إليها في القراءة الأولى، ولعلّ ذلك ما حدا بالإمام المزنيّ إلى أن يقرأ كتاب "الرّسالة" لشيخه الشافعيّ 500 مرة.

3. الاستمرار: وذلك بترويض النّفس على القراءة، فقد يعجز المرءُ في البداية، أو تُصيبه السآمة والملل، ولكنّه بطول النَّفس وسَعة الصّدر والعزيمة الجادّة يكتسب ملكةً حُبّ القراءة، حتى تُصبح أمراً مُلازماً له، لا يقوى على فراقه، ويصير كالإمام عبد الرّحمن بن أبي حاتم الرّازيّ، فقد كان مُدمناً على القراءة لا يُفارقها، إذ يقول عنه ولده: "ربما كان يأكل وأقرأُ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخلُ الخلاء وأقرأ عليه، ويدخلُ البيت في طلب شيءٍ وأقرأ عليه".

وقد أصبح كثيرٌ من القرّاء في زماننا يفتقد إلى طول النَّفَس، ولا يملك الجَلَد على المطالعة والبحث والنّظر في بطون الكتب، وكنوز العلم والمعرفة، ولذلك تجدُه حينما يبدأ بالاطّلاع على كتابٍ سُرعان ما يضعه جانباً، وينشغلُ عنه بأمر آخر.

وللقراءة البنّاءة آليات، أهمّها:

1- تهيئة الأجواء: وذلك باختيار الأوقات المناسبة، والأماكن الملائمة الخالية من الشّواغل ما أمكن، مع خلوّ الذّهن والاستعداد العقليّ والنّفسيّ المُعين على استجماع القدرات.

2- الانتقاء والتدرّج: وذلك باختيار المادّة المقروءة بما يتناسب مع قدرات القارئ ومستواه العلميّ، ولا يتجاوز مقدوره في ذلك أبداً، فإنّ ذلك من شأنه أن يقطع عنقه، ويتملّكك العجب عندما ترى البعض وقد عمد إلى كتاب علميّ، يفوق مستواه الثّقافيّ بمراحل يقرأه كما يقرأ الجريدة، ولك أن تتخيّل ماذا يُمكن أن تكون حصيلتُه من تلك القراءة.

3- تصفّح الكتاب: وهي القراءة الأوليّة التي يُريد منها القارئ الاطّلاع على مادة الكتاب وموضوعاته الرئيسة، ويريد منها التعرف من حيث الجملة على أبوابه وفصوله، ومنهج المؤلف وطريقة عرضه، ومن ثمّ يقرّ إن كان الكتاب جديراً بإعادة المطالعة أو لا؟

4- التدرّب على القراءة والفهم: من حيث مراعاة الشّكل الصحيح للمباني، ومُعالجة الأفكار الجديدة وتسجيل ما يمكن تسجيله، واختصار ما يمكن اختصاره، مع الحرص على فهم النصّ وتذوّق جماله، والإحساس بفنّه والتّفاعل الوجدانيّ مع روائع معانيه، وكثيرٌ من القرّاء في زماننا حالُه كحال بعضهم "كثيراً ما نقرأ لنقطع الوقت لا لنغذي العقل والذوق والقلب، وكثيراً ما نقرأ لندعو النّوم لا لندفعَه عن أنفسنا".

وأخيراً وليس آخراً، فإنّ القراءة تفتحُ منافذ العقل، وتُنمّي الوعي الفكريّ والثّقافيّ لدى أفراد المجتمع، والأمّة التي يقرأ أفرادها لا تُعوِزها الحلول النّاجعة لمشاكلها الاجتماعية والاقتصاديّة والسياسيّة، وصدق من قال"الشّعب القارئُ هو الشّعبَ القائد".