بالفيديو... توثيق مسيرة التحول

"وادي الحلو"... من أعالي الجبال لنهاية الحدود رحلة الماضي والحاضر "1"

  • الإثنين 12, مارس 2018 في 5:31 م
من مثلث المأكل والحراسة والسكن بقمم الجبال صيفاً وبطونها شتاءً، إلى بقعة حضارية تتمتع بركائز كبريات المدن؛ تتلخص مسيرة تحول وادي الحلو... رحلة وثقتها عدسة "الشارقة 24" بجولة من أعالي جبالها إلى الخط الحدودي المشترك مع سلطنة عمان.
الشارقة 24 - وليد الشيخ: 
 
من نقطة التقاء ثلاثة جبال شاهقة، تبعد نحو 12 كيلو متراً من طريق الشارقة - كلباء، بدأت الرحلة.. هنا وادي الحلو! 
 
كنت قد اتفقت مع سالم خميس المزروعي، أحد أبناء المنطقة، على تنفيذ رحلة مختلفة، رحلة تحاكي الماضي الغائب عن الكثيرين، وتوثق الحاضر البارز للعيان لتكتمل الصورة.
 
البداية ما زالت بعيدة!
 
توقفت على مقربة من المنطقة، ظناً مني أنني لست ببعيد عن مقصدي... بابتسامة أشار دليلي في الرحلة إلى أنه مازال ينبغي علينا السير.
 
المتعارف عليه... وادي الحلو عبارة عن 3 شعبيات سكنية تحمل مسميات "القليعي – المهتدي- الحصين" وجميعها توازي طريق الشارقة - كلباء.
 
أما إذا كانت وجهتك منطقة وادي الحلو القديمة، فعليك السير بين الصخور نحو 12 كيلو متراً من الموقع الحالي.
 
بين أطلال حية في قمة جبل تارة، وفي منحدر واد تارة أخرى، وصلنا لبداية الحكاية... في سنة من السنوات العجاف، أبت فيها السماء نزول المطر، قرر الأهالي الرحيل.
 
مثلث متكرر...
 
في نقطة تمركز ليست الوحيدة، تشكل المجتمع القديم لأهالي وادي الحلو... معادلة ثلاثية تحكم الأهالي ربما في كل شيء.
 
بؤر سكنية ثلاث تحتضنها 3 جبال شاهقة بينها واد عظيم، مرهونة بمثلث جديد "سكن – مزرعة - قلعة"، حتى هذه القلاع التي تنتشر في سفوح الجبال كانت مثلثة الشكل والتصميم !
 
يقول خميس بن سعيد المزروعي، والي منطقة وادي الحلو، إن التمركز في هذه المنطقة، كان الأمثل لتوافر عناصر الحماية الطبيعية بفعل الجبال.
 
ويشير إلى خصوبة التربة في هذه المنطقة، مما كان يوفر مقومات الغذاء، حيث عاش الأهالي على الزراعة قديماً، فضلاً عن وجود آبار المياه.
 
شواهد باقية وطلاسم العمارة
 
الأطلال الباقية لمساكن الأهالي ما زالت حية، وشاهدة على استيطان يمتد لمئات السنين... تقترن بها جذوع نخل خاوية، لم تستطع بشموخها المعهود الصمود أمام العطش، فماتت وما تبقى منها سوى الأثر.
 
يرى المزروعي أن شواهد المجتمع القديم والروايات التي تناقلتها الأجيال، تؤكد على تلاحم وتعاضد الأهالي، فذوو القربى يسكنون في تجمعات متقاربة تفصلها حدود للخصوصية.
 
ولكل عائلة أو تجمع مقومات معيشته الخاصة، والجميع يقع تحت مظلة الحماية الموحدة التي تمثلت في القلاع والحصون التي لا حصر لها، والتي كانت نقاط مراقبة وإشعار بالمخاطر التي تهدد السكان، ويحكمها نظام ثابت قائم على الذكاء الفطري وتطويع جغرافيا المكان.
 
مكون آخر لا يغيب عن المشهد، يتمثل في عشرات المقابر وقد ثبتت عليها علامات لا تخطئها الأعين، لا سيما من الأهالي... لا تنفصل المقابر تلك عن أطلال البيوت كثيراً وكأنهم أرادوا اللحمة والتعاضد في الحياة والممات.
 
نمط سائد قديماً، يلفت خميس المزروعي الانتباه له، وهو اعتماد الأهالي على نظام سكني صيفاً وآخر شتاء، وهو مايفسر وجود بقايا مساكن في قمم الجبال بحثاً عن نسيم الهواء، ومساكن أخرى أرضية احتماء من برودة الطقس.
 
شواهد عدة لا يستطيع فك طلاسمها إلا أهالي المنطقة المتمرسون في العمارة القديمة... فالعديد من الأطلال الباقية يعرفها البعض بكونها عبارة عن مساجد قديمة يميزها محراب بسيط... نفس الحال ينطبق على مخازن الغذاء والمخابئ السفلية، والتي أعدت كملاذ للحماية إذا لزم الأمر .
 
الوادي... كلمة السر
 
للوادي شأن عظيم في حياة الأهالي منذ القدم، فهو مرادف صاحبهم في كل الأزمنة، وفي هذا تفسير لانتشار المساكن على جانبيه من المنبع وحتى المصب.
 
عرف الوادي منذ القدم بمياهه العذبة، وحسب الأهالي كان مجرى ينبض بالحياة لشهور عديدة، قبل أن يجف لشح الأمطار.
 
تنقلات الأهالي كانت مرهونة إلى حد كبير بالوادي، والذي أسهم في طغيان البيئة الزراعية على المنطقة، التي تشتهر بأشجار عدة من بينها السدر والسمر، والعديد من النباتات المحلية كالزبيدية والعرجون ونبات السريو، والذي استخدمه الأهالي في تجبير كسور العظام، وغيرها من نباتات وأعشاب استخدموها في علاج المصابين بلدغات الأفاعي والثعابين.
 
كنوز أثرية
 
من بين الشواهد المهمة على عراقة المنطقة، موقع وادي الحلو الأثري، والذي خضع لعمليات تنقيب أثرية قامت بها بعثة مشتركة من "متاحف الشارقة"، ومعهد دراسات ما قبل التاريخ في جامعة توبنغن الألمانية منذ عام 1997.
 
وحسب ما توافر من معلومات، فقد عثرت بعثات التنقيب في الموقع على كميات من خامات النحاس، تظهر على بعضها آثار التعدين وصهر النحاس، تعود زمنياً إلى الفترة ما بين العصر الحجري والعصر البرونزي، وحسب الجهات المختصة يعد هذا الاكتشاف أحد أقدم الأدلة على وجود صناعة التعدين، في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية.
 
وقطعت الدراسات بوجود الاستيطان البشري في الموقع خلال العصرين الحديدي والبرونزي، عبر العديد من الاكتشافات والأدلة المباشرة وغير المباشرة، على إنتاج المعادن في الموقع بأفران الصهر، وورش العمل وبقايا عمليات التعدين، ومن بين الاكتشافات كانت سبيكة نحاس خالصة من خامات النحاس المحلية تجاوز وزنها 4 كيلوغرامات.
 
نقوش ورسومات مجهولة
 
ما لم نجد له تفسيراً موثقاً حتى اليوم، هو عثور الأهالي على عدد من الأحجار الجبلية المنقوشة بأشكال ورسومات لتجمعات بشرية ودواب، ورموز أخرى يبدو أنها لأدوات كانت تستخدم قديماً.
 
وحسب ما حاولنا توثيقه في زيارتنا للأحجار القريبة من الخط الحدودي في نهاية المنطقة، توجد قواسم مشتركة بين عدد من الأحجار تلك، تتمثل في أن أغلب النقوش والرسومات جاءت على أحجار عظيمة يصعب تحريكها، حتى إن بعض الرسومات جاءت على هيكل جبلي متماسك في شكل جدارية بارتفاع نحو 4 أمتار عن سطح الأرض، كما تشترك الأحجار المشار إليها في المحيط المهندم المختلف عن البيئة الصخرية غير المستوية.
 
ويعتقد عدد من الأهالي أن الرسومات الموجودة على الأحجار، جديرة بالدراسة والفحص من قبل المتخصصين، لقناعتهم بأنها تمتد لسنوات طويلة يصعب تحديدها إلا في ضوء دراسة علمية رصينة.