جار التحميل...

°C,

القوانين بقلوب رحيمة

استوقفتني كثيراً مقولة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظة الله، والتي أسس فيها نهجاً ودستوراً لنا في شتى مجالات الحياة، حيث يقول: "لا تمجد الإجراءات، ولا تقدس القوانين ولا تعتقد أن الأنظمة أهم من البشر، فالغاية من الإجراءات والأنظمة والقوانين هي خدمة البشر".
وهذه المقولة العميقة تنبع من حكمة وتجربة طويلة في القيادة والإدارة، وهي تضع النقاط على الحروف في مسألة توازن القوانين مع إنسانية التعامل.

وعند الحديث عن الحياة الجامعية لأبنائنا الطلبة، نجد بأن الطلبة يتعرضون لضغوط كبيرة سواء من الناحية الأكاديمية أو الاجتماعية. ومع تزايد هذه الضغوط، تظهر الحاجة الماسة لتطبيق القوانين الجامعية بروح الرحمة والتفاهم، فالجامعات ليست مجرد مؤسسات تعليمية، بل هي بيئة تنموية يجب أن تساهم في بناء شخصيات الطلبة وتعزيز قدراتهم بشكل متكامل، فالتعليم ليس مجرد نقل معلومات من أستاذ إلى الطالب فحسب، بل هو عملية تربوية شاملة تشمل الجوانب النفسية والاجتماعية، ومن هنا تأتي أهمية الرحمة في التعامل مع الطلبة، حيث أن القسوة والتشدد في تطبيق القوانين يمكن أن تؤدي إلى آثار سلبية على الطلاب، سأشير إلى بعضها هنا:

أولاً: التوتر والقلق: فالطلبة الذين يشعرون بأنهم محاصرون بقوانين صارمة قد يعانون من مستويات عالية من التوتر والقلق، مما يؤثر سلبًا على أدائهم الأكاديمي وصحتهم النفسية.

ثانياً: فقدان الثقة بالنفس: فعندما يشعر الطلبة بأن كل خطأ بسيط قد يكلفه الكثير، فذلك يجعله يفقد الثقة بنفسه وبقدراته، مما يؤدي إلى تدهور أدائه الأكاديمي.

ثالثاً: انخفاض الدافع للتعلم: فالرحمة والتفاهم يشجعان الطلبة على بذل المزيد من الجهد والتفاني في الدراسة، بينما القسوة والإجراءات الصارمة تؤدي في الغالب إلى فقدان الحافز والدافع للتعلم.

إن تطبيق روح القانون يعني النظر إلى الهدف الأساسي من وراء القوانين والإجراءات بدلاً من التمسك الحرفي بها ولتحقيق ذلك في جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية فإنه يجب على الأساتذة والإداريين أن يتفهموا الظروف الشخصية للطلاب، وأن يكونوا مرنين في تطبيق القوانين، فبعض الطلبة يواجهون ظروفاً طارئة تستدعي مراعاة خاصة بدلاً من العقاب الفوري، حيث يمكن توجيه الطلبة وإرشادهم إلى الطريق الصحيح، فعلى سبيل المثال:

 إذا أخفق الطالب في تسليم واجب في الوقت المحدد، يمكن تقديم فرصة إضافية له مع توجيهه حول كيفية إدارة وقته بشكل أفضل والتواصل الفعّال بين الأساتذة والطلاب يمكن أن يساهم في حل العديد من المشكلات قبل أن تتفاقم أكثر وأكثر، فعندما يشعر الطالب بأن هناك من يستمع له ويهتم بمشكلاته، فإنه يكون أكثر استعدادًا لتحسين سلوكه وأدائه الأكاديمي.

أمثلة من الواقع

لنستعرض بعض الأمثلة الواقعية التي تبين كيف يمكن لتطبيق روح القانون أن يكون له تأثير إيجابي على الطلاب، ففي بعض الجامعات، يتم تقديم استثناءات أكاديمية للطلاب الذين يواجهون صعوبات شخصية أو صحية تؤثر على أدائهم الأكاديمي، وهذه الاستثناءات تشمل تأجيل الامتحانات أو تمديد مواعيد التسليم فالعديد من الجامعات توفر برامج دعم نفسي للطلاب، الذين يعانون من ضغوط نفسية، مما يساعدهم على التعامل مع ضغوط الدراسة والحياة بشكل أفضل، فتشجيع الطلاب على المشاركة في صنع القرارات الأكاديمية يمكن أن يعزز من شعورهم بالانتماء والمسؤولية، ويقلل من التوتر الناتج عن القوانين الصارمة.

دور الأساتذة الجامعيين في تطبيق روح القانون

إن الأساتذة هم العصب الأساسي في الجامعات، ودورهم لا يقتصر فقط على نقل المعارف للطلبة بل يشمل أيضاً تقديم الدعم والإرشاد لهم، ويمكن للأساتذة تطبيق روح القانون بأن يكونوا قدوة للطلاب في التسامح والتفهم، فعندما يرى الطالب أن أستاذه يتعامل معه برحمة وتفهم، يكون أكثر ميلاً لتبني نفس السلوك في تعاملاته مع الآخرين.

فالأساتذة الذين يشجعون طلابهم ويحفزونهم على تحقيق الأفضل يساهمون في خلق بيئة تعليمية إيجابية والرحمة لا تعني التساهل، بل تعني تقديم الدعم والتحفيز بدلاً من العقاب الصارم، وهذا المبدأ عظيم يتحقق بإقامة قنوات تواصل مفتوحة بين الأساتذة والطلاب يمكن أن تساهم في حل العديد من المشكلات. 

فالطلاب الذين يشعرون بأنهم يستطيعون التحدث مع أساتذتهم بدون خوف من العقاب يكونون أكثر استعداداً لتحسين أدائهم وسلوكهم.

التوازن بين الرحمة وتطبيق القانون

على الرغم من أهمية الرحمة في التعامل مع الطلاب، إلا أنه يجب الحفاظ على توازن بين الرحمة وتطبيق القوانين لضمان العدالة والنزاهة، فالقوانين وضعت لضمان سير العملية التعليمية بشكل منظم وعادل، وتطبيقها بشكل صارم دون مرونة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لذا يجب على الجامعات والأساتذة العمل على تحقيق هذا التوازن من خلال وضع معايير واضحة ومحددة لتطبيق القوانين يمكن أن يساعد في تحقيق العدالة والشفافية. 

وهذه المعايير يجب أن تكون مفهومة للجميع وأن تُطبق بشكل عادل، والتقييم المستمر لفعالية القوانين والإجراءات يساعد في تحديد النقاط التي تحتاج إلى تعديل أو تحسين، ويمكن تطبيق استبيانات دورية لجمع آراء الطلاب والأساتذة حول القوانين وتطبيقها، ويمكن تقديم دورات تدريبية للأساتذة والإداريين حول كيفية تطبيق القوانين بروح الرحمة والتفاهم، بحيث يمكن أن يساهم في خلق بيئة تعليمية أكثر إنسانية وتفهم.

وفي الختام أود الإشارة إلى أن تطبيق القوانين في الجامعات بروح الرحمة والتفاهم ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة لتحقيق بيئة تعليمية صحية ومنتجة، فالقوانين والإجراءات وُضعت لخدمة البشر وتحقيق العدالة، ولكنها تحتاج إلى مرونة وتفهم في تطبيقها لضمان تحقيق الأهداف المنشودة، وعلينا جميعاً العمل على تحقيق هذا التوازن لضمان مستقبل أفضل لطلابنا وجامعاتنا.

 فالرحمة في التعامل مع الطلبة ليست ضعفاً بل هي قوة تساهم في بناء شخصيات مستقلة وقوية وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل، دعونا نتذكر دائماً أن الغاية من القوانين هي خدمة البشر، وأن الرحمة والتفاهم هما أساس كل نظام ناجح ومستدام.
July 02, 2024 / 9:14 AM

مواضيع ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.