ماذا نريد من الاتصال الحكومي

الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي

  • الأحد 01, مارس 2020 02:47 م
  • ماذا نريد من الاتصال الحكومي
قبل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، كان اختراع الآلة البخارية هو الحدث الأعمق تأثيراً في التاريخ، فاختراع الآلة غير في بنية الطبقات الاجتماعية وفي مفهوم العلوم والمهارات، وأحدث تحولات كبيرة في المفاهيم الاقتصادية وقوانين التجارة والأسواق، ووضع أُسساً جديدة لموازين القوى العالمية.
لكن ما أحدثته ثورة الاتصالات كان أعمق وأوسع تأثيراً، إذ أصبح الاتصال أحد الشروط الأساسية لاستقرار الأسواق وتعزيز تنافسية الدول وتمتين العلاقات الاجتماعية، فقد تكفي معلومة من مصدر يتقن فن التخطيط والتنفيذ، لإرباك الأسواق، وخلط الأوراق، والإطاحة بمؤشرات أسواق المال، وإضعاف قدرة الآلات على الإنتاج، كذلك الحال في السياسة والصحة والثقافة وغير ذلك.

إن العامل الأهم في تفوق قوة ثورة الاتصال أنها تتعلق بالمعلومة، وبالثقافة والوعي، وكل هذه مجتمعة تحدد ممارسات الأفراد والمؤسسات والمنظمات، وتصيغ مواقفهم ورغباتهم، وتخلق التأييد أو المعارضة، إنها تجعلهم يلتفون حول كيان ما أو ينفضون عنه، ولا ننكر قوة الرأي العام فهي الأكثر تأثيراً من باقي القوى الأخرى.

أما العامل الآخر الذي يُسجل لصالح ثورة الاتصال، فهو أن أدواتها متاحة، وليست حكراً على الدول والمؤسسات الرسمية، كما كانت الآلة في بدايات ظهورها، وأن قوة هذه الأدوات تتعلق بمهارة الاستخدام والقدرة على التنظيم، وهي مهارات يتقنها الكثيرون، وباستخدامها السليم يتحقق الكثير من طموحات المجتمعات، إلا أن هنالك فئات تمتلك أجندات ضد صالح المجتمعات وطموحاتها، فتستغل الفضاء الإلكتروني المفتوح، للتسلل إلى المساحات المتاحة في وعي الجماهير ومعرفتها.

ما الذي تعنيه هذه المعادلة؟ إنها تعني أن مشهداً عالمياً جديداً بدأ بالتشكل، وأن موازين القوى باتت تختلف عن تلك التي ألفناها، فنحن ماضون بلا شك نحو خريطة جديدة للعالم تدار بقواعد جديدة أيضاً، وخلال السنوات والعقود القادمة، ستبرز مجتمعات وشركات ومؤسسات، لم تكن حاضرة بهذه القوة في الماضي، وسيضعف حضور مؤسسات وشركات أخرى، كنا نظن أنها باقية في مكانتها ولن يتغير عليها شيء.

ولا نغفل أهمية الابتكار الذي سيتفوق عبر التاريخ، بل سيصبح كل ابتكار بدايةً لتاريخ جديد، وقوانين العرض والطلب التي نعرفها لن تكون صالحةً لتحقيق نجاح المؤسسات، فاليوم هناك قوانين جديدة بدأت تؤثر بقوة على الشارع العام، إنها القدرة على التواصل والإبداع في استخدام التقنيات الجديدة، وتحديد غايات الاتصال، وفهم الجمهور واحتراف العلاقة معه، ومن سيمتلك ساحة الاتصال سيمتلك قوة عظمى تعجز أمامها القوى الأخرى، وهي الرأي العام.

هذه الأهمية للاتصال في الحاضر والمستقبل، تجعلنا نفكر ملياً بالكيفية التي بها نكون أمناء على ساحة الوعي، أمناء على الحقيقة والموضوعية، وعلى الأهداف النبيلة للاتصال وأولها ترسيخ القيم والمبادئ، وأسس الحوار والتعاون، وثانيها أن يكون الاتصال شريكاً في تنمية المجتمعات، وبناء وعيها وفضاء حوار حول كيفية الارتقاء بجودة حياتها، وتلبية احتياجاتها.

نحن في إمارة الشارقة ودولة الإمارات العربية المتحدة، فخورون بكوننا سبّاقين نحو رفع راية الاتصال الحكومي، وقيادة مهمة تطويره، وتصحيح المفاهيم الخاطئة حوله والتي كانت تحتجزه في مساحة ضيقة لا تتناسب مع مكانته ودوره، فخورون بما حققناه حتى الآن، من خطوات تتجلى في تنافس المؤسسات على تطوير علاقاتها مع الجمهور، من خلال تطوير مهاراتها في التخطيط والإعداد، واختيار الرسائل المناسبة لتنفيذ اتصال فعال.

وفخورون أكثر لأننا في بلد يمتلك أهم عناصر الاتصال الحكومي الناجح، لدينا التاريخ والتراث والثقافة والمنجزات على كافة الصعد، ولدينا أكثر من 200 جنسية تعيش على أرضنا، في إطار من التسامح والتفهم للاختلافات، لدينا المواقف الإنسانية النبيلة تجاه المجتمعات المتضررة بسبب الصراعات، أو تعرقل مسيرة التنمية، وما نريده من الاتصال الحكومي، هو أن يقدم هذه الحالة للشعوب والأمم بأوضح صورها، وأن يستثمرها في تعزيز صورتنا وترسيخ مكانتنا الريادية العالمية.

وللحديث بقية... في الدورة التاسعة من المنتدى الدولي للاتصال الحكومي في الشارقة يومي 4-5 مارس الجاري.