نَحْنُ قَوْمٌ لا نَأْكُلُ حتَّى نَجُوعَ… وإذا أَكَلْنَا لا نَشْبَعُ

مجموعة الدراسات الحديثة بجامعة الشارقة

  • الخميس 02, أغسطس 2018 03:06 م
  • نَحْنُ قَوْمٌ لا نَأْكُلُ حتَّى نَجُوعَ… وإذا أَكَلْنَا لا نَشْبَعُ
هذا حديث مشهور بين الناس كثيراً، ولكن لم نجد له ذكراً بجميع كتب الحديث، عدا السيرة الحلبية ذكرت، أنّ المقوقس أرسل مع الهدية طبيباً، فقال له النبي "ارجع إلى أهلك، نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع".
وعدمُ وجود الحديث في كتب الحديث إشارة إلى عدم صحّته، ودليل على أنّه لا أصل له.
 
أمّا معنى هذا الكلام، فلا شكّ في صحته، فإنّ من قواعد الصحة المعروفة، أنّ أنفع الطعام ما كان على الجوع، وأنّ إدخال الطعام على الطعام مفسد لجسم الإنسان.
 
وقد ورد في الصحيح قوله "ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، فإن كان ولا بدّ فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه". 
 
وقد عدّ علماء الطب هذا الحديث الصحيح أصلاً جامعاً لأصول الطب كلها، ولما قرأ الطبيبُ المشهور ابن ماسويه هذا الحديثَ في كتاب أبي خيثمة أفاد "لو استعمل الناس هذه الكلماتِ، لسلموا من الأمراض والأسقام ولتعطّلت المارستانات ودكاكين الصيادلة".
 
فلا شكّ أنّ التخمة أصلُ كلّ داء، وأجمع الأطباء على أن رأس الداء كله إدخال الطعام على الطعام، وقالوا: "احذروا إدخال اللحم على اللحم، فإنه ربما قتل السباع في القفر"، وأكثر العلل إنما يتولد من فضول الطعام. 
 
وقد ورد في الحكم القديمة "الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ والحمية رَأْسُ الدَّوَاءِ وَأَصْلُ كل دَاءٍ الْبَرَدَةُ"، وينسب هذا الكلام إلى الحارث بن كلدة طبيب العرب.
 
وأضاف أيضاً "خير الدواء الأزم، وشر الدواء إدخال الطعام على الطعام".
 
وقد قيل لبقراط: مالك تُقلُّ الأكلَ جداً؟ قال "إني إنما آكل لأحيا، وغيري يحيا ليأكل". 
 
وذكر بعض شعراء الأطباء في ذلك:
 
ثلاث مهلكات للأنام .. وداعية السقام إلى السقام
 
دوام مدامة ودوام وطء .. وإدخال الطعام على الطعام    
 
وقد أكّد ابن سينا، أنّ من الأشياء الضارة للكبد إدخالَ الطعام على الطعام، وإساءةَ ترتيبه، والشربَ للماء البارد دفعة على الريق، وفي أثر الحمام والجماع والرياضة. 
 
وانظر ما سطّره الإمام ابن القيم، وما قاله الإمام خلدون في تقرير هذه الحقائق العلمية.
 
والخلاصة أنّ معنى حديث الباب صحيحٌ، تؤيّده الأحاديث الصحيحة الواردة في بيان مضار الشبع وإدخال الطعام على الطعام، لكنّه لا أصل له في كتب الحديث وغيرها، وعلى هذا فلا يجوز نسبته إلى النبيّ مطلقاً، وهي القاعدة الصحيحة في التعامل مع الأحاديث الموضوعة، حيث لا يجوز روايتها أبداً، إلا لبيان حالها والتحذير منها.